مره في العمر حكايات أسما

قبل ميعاد رحلة العمرة اللي أنا وجوزي مستنيينها بقالنا سنين بإحدى عشرة ساعة بس، ابني اتصل بيا وقال: “ألغوا السفر، إحنا محتاجينكم.” وبعدها بثواني بعتلي رسالة: “ما تبقيش قاسية، العيلة أهم، العمرة ممكن تتعوض.” ولأول مرة من تلاتين سنة، ما رديتش عليه، حطيت الموبايل على الصامت، وطلعت شنطة الإحرام من الدولاب.
الساعة كانت تسعة وسبعة وأربعين دقيقة بالليل، وأنا واقفة في أوضتي في بيتنا في طنطا، ماسكة طرحتين بيضا، واحدة قطن والتانية كريب خفيف، وبفكر آخد أنهي واحدة معايا، كأني مش مصدقة إن بكرة الصبح فعلًا هكون في طريقي لبيت ربنا. جوزي حسن كان قاعد على طرف السرير، لابس نظارته، وماسك ورقة برنامج الرحلة اللي الشركة بعتهولنا، وبيعلّم بالقلم على مواعيد المطار، والوصول لجدة، والباص اللي هياخدنا مكة، وأول عمرة هنطلعها بعد ما نرتاح شوية.
كانت رحلة العمر بالنسبة لنا. عمرة أنا وهو حلمنا بيها سنين طويلة. كل مرة نقول: “السنة الجاية إن شاء الله.” مرة فلوس البيت، ومرة جواز بنتنا، ومرة مصاريف علاج، ومرة أولاد ابني، ومرة ظروف الدنيا. لحد ما ربنا كرمنا، وحجزنا، وجهزنا، وشنطنا اتقفلت، واللبس الأبيض اتحط، والمصحف الصغير اللي ورثته عن أمي حطيته في شنطتي، وقلبي كان بيقول: “يا رب ما تحرمناش.”
وفجأة نور موبايل باسم ابني مروان.
رديت وأنا مبتسمة، فاكرة إنه بيتصل يوصيني أدعيله قدام الكعبة.
قال بصوت ناشف: “ماما، لازم تلغوا السفر.”
سكت لحظة وقلت: “نلغي إيه يا مروان؟”
قال: “رحلة العمرة. رانيا عندها تدريب مهم من يوم الاتنين، ومحتاجينك تيجي تقعدي مع العيال الأسبوع ده.”
بصيت للشنطة المفتوحة قدامي، وللإسدال الأبيض اللي كنت لسه كاوياه بإيدي، وقلت له بهدوء: “يا ابني إحنا طيارتنا بكرة الصبح.”
رد بكل بساطة: “أنا عارف.”
الجملة دي نزلت على قلبي تقيلة. هو عارف. عارف إن دي مش فسحة، ولا مصيف، ولا خروجة. دي عمرة. عارف إن أنا وأبوه مستنيينها بقالنا سنين. عارف إننا دفعنا اللي ورانا واللي قدامنا، وإن قلبي من ساعة ما عرفت معاد السفر وهو متعلق بالكعبة وبالطواف وبالدعاء عند الملتزم.
رانيا مراته كانت باعتالي من أسبوعين إنها عندها تدريب. بس محدش سألني وقتها. محدش قال: “ماما تقدري؟” أو “لو مش مناسب ندبر نفسنا.” لأ. استنوا لحد آخر ليلة، كأنهم متأكدين إن كلمة “العيال” هتكسرني، وإن إحساس الذنب هيخليني أتنازل عن حلم عمري.
