توأمي حكـايـات أسمـا السـيد ×1

وقال:
“بابا.”
الجملة خرجت قصيرة…
لكن كان وزنها كبير.
قال:
“قالنا إنك مستحيل توافقي… وإنك هتستعملي أي طريقة تمنعينا.”
ضحكت ضحكة كلها مرارة.
“أبوكم بقى فاهمني أكتر مني.”
قال ابني بسرعة:
“إحنا صدقناه.”
وسكت.
بعدين كمل:
“مش علشان وحش… لكن علشان إحنا عارفين إنك تعبتي معانا العمر كله.”
بنتي قالت وهي بتمسح دموعها:
“إنتي ربيتينا لوحدك.”
“صرفتي علينا.”
“اشتغلتي دروس خصوصية وإجازات صيف.”
“عمرك ما حرمتي حد فينا من حاجة.”
“إحنا خفنا نبعد عنك.”
استغربت.
قلت:
“يعني خبيتوا علشان خايفين عليا؟”
هزوا راسهم.
ابني قال:
“كل مرة كنا نيجي نقولك… نبصلك وانتي راجعة تعبانة من المدرسة… ونرجع نسكت.”
بصيت حواليهم.
كل ركن في البيت شاهد على سنين التعب.
المكتب اللي كنت بصحح عليه الامتحانات.
المطبخ اللي كنت أطبخ فيه بالليل بعد الشغل.
النجفة اللي اشتريناها بالتقسيط.
كل حاجة كنت بعملها علشانهم.
وفجأة…
بقيت أنا أكتر شخص بعيد عن خطتهم.
قلت بصوت مكسور:
“وأبوكم؟”
رد ابني:
“هو اللي كان بيدفع تمن امتحانات اللغة.”
“وهو اللي عرفنا ناس يساعدونا في الإجراءات.”
“وقال لنا… لما كل حاجة تخلص نبقى نقول لمامتكم.”
سألته:
“يعني كنتوا ناويين تقولولي إمتى؟”
بصوا لبعض.
وسكتوا.
عرفت الإجابة من غير ما ينطقوا.
كانوا هيقولولي…
بعد ما يبقى مفيش رجوع.
وأنا قاعدة وسطهم…
أول مرة أحس إن أولادي كبروا بعيد عن حضني.
(يتبع)الفصل الرابع
فضل الصمت مالي الشقة.
ولا حد فينا كان قادر يبدأ الكلام.
كنت ببص لوشوشهم، وأشوف فيها الأطفال اللي كنت بصحيهم كل يوم للمدرسة، وألبسهم الزي بإيديا، وأجري بيهم على الدكتور لما يسخنوا.
وفجأة…
لقيتهم قدامي شباب كبار، واخدين أخطر قرار في حياتهم من غير ما يستشيروني.
قطعت الصمت وسألت بهدوء:
“هو السفر إمتى؟”
ابني اتردد.
وبعدين قال:
“لسه مفيش معاد.”
بصيتله.
“يعني إيه؟”
قال:
“إحنا بنجهز من سنة… لكن لسه مستنيين فرصة.”
“فرصة إيه؟”
“الأوسبيلدونج.”
الاسم كان جديد عليا.
لكن فهمت إنه تدريب في ألمانيا.
قلت:
“يعني لو جات الفرصة… هتمشوا؟”
بنتي ردت وهي بتعيط:
“آه.”
الكلمة خرجت منها ضعيفة…
لكن وقعت على قلبي زي الحجر.
قمت من مكاني.
ودخلت أوضتي.
قفلت الباب.
وسبتهم برا.
أول ما قعدت على السرير…
انفجرت في العياط.
مش علشان ألمانيا.
ولا علشان السفر.
