الفصل الثالث: المرأة التي لم يعد يعرفها فضل زين طول الليل صاحي. كل شوية يفتح موبايله. مفيش رسالة. ولا مكالمة. ولا حتى "شوهد". أول مرة في حياته... يحس إن سارة خرجت فعلًا من دايرة حياته. مش مجرد زعل... ولا خناقة هتنتهي باعتذار سريع. دي المرة الأولى اللي ما كانش عارف هي فين. ولا مع مين. ولا حتى إذا كانت هترجع أصلًا. أما ياسمين... فكانت قاعدة في البلكونة، باصة على البحر. قالت بهدوء: "إحنا هنفضل نتخانق بسببها؟" رد وهو متضايق: "الموضوع مش كده." ابتسمت بسخرية. "أمال إيه؟" "إنت اللي اخترت تيجي." "وأنا اللي سبت شغلي علشان الرحلة." لف ناحيتها بعصبية. "أنا قولتلك إنها مش هتعرف." سكتت لحظة. ثم قالت الجملة اللي صدمته: "واضح إنها عرفت أكتر مما كنا فاكرين." ... في إيطاليا... كانت سارة بتتمشى في الأزقة القديمة. وقفت قدام معرض صغير للتصميم. على الباب مكتوب: "مسابقة دولية للمصممين الشباب والمحترفين." دخلت بدافع الفضول. استقبلتها شابة مبتسمة. وقالت بالإنجليزية: "هل حضرتك مشاركة؟" ضحكت سارة. "لا... أنا بطلت تصميم من سنة." الشابة بصت لها باستغراب. "وليه؟" سكتت سارة. معرفتش ترد. لأن الإجابة كانت موجعة. بطلت... علشان راجل واحد أقنعها إن أحلامها أقل أهمية من صورته قدام الناس. قبل ما تخرج... وقعت عينها على لوحة. مكتوب تحتها: «"أسوأ قرار ممكن تاخده في حياتك... إنك تعيش حلم شخص تاني وتدفن حلمك."» فضلت واقفة قدامها دقيقة كاملة. وبعدين... رجعت لموظفة الاستقبال. وقالت بابتسامة: "لو باب التقديم لسه مفتوح..." "أنا عايزة أشارك." ... في القاهرة... دخل زين الشقة. كانت هادئة بشكل يخوف. كل حاجة في مكانها. إلا حاجة واحدة. ريحة اللافندر. رجعت تملأ المكان. استغرب. دخل أوضة الضيوف. فتح الدولاب. لقاه فاضي. كتبها. أجهزتها. لوحاتها. أدوات الرسم. كل حاجة اختفت. على الرف... لقى ظرف صغير. فتح الظرف بسرعة. كانت فيه ورقة واحدة. مكتوب فيها: "كنت فاكرة إن البيت هو المكان اللي الإنسان يلاقي فيه نفسه... لكن اكتشفت إني كل يوم كنت بسيب جزء مني هنا. خدت اللي يخصني... وسبتلك كل حاجة كنت بتحبها. الإضاءة البيضا. الحيطان الفاضية. والصمت. يمكن دلوقتي تحس قد إيه كان البيت بارد." قعد على السرير. ولأول مرة... بص حوالين الشقة. كل حاجة فعلاً... زي ما هو كان عايز. لكن لأول مرة... اكتشف إنها بلا روح. ... بعد يومين... أعلنت إدارة المسابقة أسماء المشاركين. كانت سارة قاعدة في مقهى صغير، ماسكة فنجان قهوة. رن موبايلها. إيميل جديد. فتحته. وقرأت أول سطر. "تهانينا... تم اختيار مشروعك ضمن أفضل عشرين مشروعًا للمنافسة النهائية." وقفت من مكانها من الفرحة. عيناها دمعت. مش لأنها كسبت. لكن لأنها افتكرت إنها كانت لسه قادرة تحلم. وفي نفس اللحظة... كان زين قاعد في مكتبه بالقاهرة. دخل عليه مدير الشركة. وقال: "في مشكلة." رفع زين رأسه. "خير؟" "شركة أوروبية كبيرة كانت طالبة تصميم المقر الجديد." "وبعتوا النهارده يسألوا عن المهندسة سارة." اتجمد مكانه. "سارة؟" "أيوه." "قالوا إنهم شافوا أعمالها القديمة في معرض إلكتروني، وكانوا فاكرين إنها لسه شغالة معانا." شعر زين بغصة. لأول مرة... أدرك حجم الموهبة اللي أجبرها تتخلى عنها. لكن الصدمة الحقيقية... كانت لسه جاية. بعد دقائق... وصله إشعار من أحد مواقع التصميم. الصورة الرئيسية للخبر كانت لسارة. واقفة قدام مشروعها الجديد... وبتبتسم بثقة عمره ما شافها بيها. وتحت الصورة عنوان واحد: "مصممة مصرية تعود للساحة الدولية بعد غياب." ظل ينظر للصورة طويلًا... وهمس لنفسه: "دي... مش سارة اللي كنت أعرفها." وللمرة الأولى... بدأ يخاف... إنها ما ترجعش أبدًا. الفصل الرابع: الرسالة التي لم يتوقعها مر أسبوع كامل... وزين ما سمعش صوت سارة. ولا رسالة. ولا حتى سؤال عن حاله. الغريب... إنه هو اللي بقى مستني. كل مرة موبايله ينور... يجري عليه. يمكن تكون هي. لكنها عمرها ما كانت. ... في إيطاليا... كانت سارة واقفة قدام لجنة التحكيم. تعرض مشروعها بثقة. إيدها ما كانتش بتترعش. وصوتها كان ثابت. لأول مرة من سنين... حد بيسمع أفكارها للنهاية. من غير ما يقاطعها. من غير ما يقول: "سيبي الكلام ده." بعد انتهاء العرض... وقف رئيس اللجنة. صافحها. وقال: "موهبتك كبيرة." "إنتِ اختفيتِ من المجال ليه؟" ابتسمت سارة. وقالت: "كنت فاكرة إن التضحية هي معنى الحب." ثم أضافت بهدوء: "اكتشفت إن الحب الحقيقي... عمره ما يطلب منك تلغي نفسك." ... بعد ساعات... وصلها بريد إلكتروني. شركة تصميم عالمية بتعرض عليها عقد لمدة سنة. مرتب أكبر من أي مرتب اشتغلته قبل كده. وسكن. وتأمين. وفرصة تقود فريق تصميم كامل. فضلت تبص للإيميل. ودموعها نزلت. افتكرت اليوم اللي استقالت فيه. يومها زين قال لها: "هتنسى الشغل بعد الجواز." لكنها ما نسيتش. هي كانت فقط... بتحاول ترضيه. ... في القاهرة... كان زين راجع من الشركة متعب. دخل الشقة. الهدوء كان خانق. فتح التلاجة. لقى طبق الفراولة لسه مكانه. دبل بسرعة. سابه زي ما هو. دخل أوضة النوم. ولأول مرة... لاحظ إن صورة الفرح مش مقلوبة. رفعها. وقعد يبص لها. سارة كانت بتضحك في الصورة. ضحكة صافية. قال لنفسه: "أنا آخر مرة شفت الضحكة دي كانت إمتى؟" حاول يفتكر... ما عرفش. ... رن جرس الباب. فتح. لقى والد سارة. رجل هادئ في أواخر الستينات. مد إيده بظرف. وقال: "دي كانت موصياني أديهولك لو سألت عنها." أخذ زين الظرف بسرعة. فتح الورقة. كان مكتوبًا: "يا زين... لو بتقرأ الرسالة دي... يبقى أنا نفذت أول وعد وعدته لنفسي. رجعت أختارني. أنا مش ماشية علشان أعاقبك. ولا علشان أثبت إني أقوى. أنا ماشية لأني تعبت من محاولة إقناع حد بقيمتي. قيمة الإنسان... مش بيحددها وجوده في حياة شخص. ولا غيابه. أنا سامحتك... لكن المسامحة مش معناها إني أرجع. ولو في يوم قابلتنا الصدفة... أتمنى نفتكر النسخة الحلوة من نفسنا... مش النسخة اللي جرحت بعض." طوى زين الرسالة ببطء. وقعد على الكنبة. ولأول مرة منذ سنوات... بكى. مش لأنه خسر زوجته فقط... لكن لأنه أدرك متأخرًا... أنه خسر إنسانة كانت بتحبه بصدق. ... بعد ثلاثة أشهر... امتلأت قاعة كبيرة في ميلانو بالحضور. أُعلنت نتائج المسابقة. وقف المذيع وقال: "الفائزة بالمركز الأول..." "المصممة المصرية..." "سارة." وقفت القاعة كلها تصفق. طلعت سارة على المسرح. أخذت الجائزة. وبصت للحضور. وقالت في كلمتها القصيرة: "أحيانًا...أسوأ يوم في حياتك... بيكون بداية أفضل عمر ليك. متخافوش تبدأوا من جديد." بينما كانت الكاميرات تلتقط الصور... كان في القاهرة رجل يشاهد البث المباشر وحده. ابتسم بحزن... وأغلق الشاشة. لأنه أخيرًا فهم... أن بعض الأشخاص إذا رحلوا بكرامتهم... لا يعودون أبدًا. الفصل الأخير: بعد عامين مر عامان... وأصبحت سارة اسمًا معروفًا في عالم التصميم. تنقلت بين أكثر من مدينة. ونُشرت أعمالها في مجلات متخصصة. والأهم... أنها رجعت تضحك من قلبها. لم تعد تستيقظ وهي مستنية رسالة من حد. ولا تعيش يومها على مزاج شخص آخر. كانت تعيش الحياة التي اختارتها بنفسها. --- في القاهرة... تغيرت حياة زين أيضًا. لم يتزوج. ولم تعد تجمعه بسارة أي حياة مشتركة. بعد انتهاء إجراءات الطلاق بهدوء، احتفظ بشيء واحد فقط... صورة الفرح. لكن هذه المرة... لم تكن مقلوبة. كانت موضوعة فوق مكتبه. كلما نظر إليها... تذكر درسًا لن ينساه. أن الإنسان قد يخسر أعظم نعمة في حياته... ليس بسبب خطأ واحد كبير. بل بسبب مئات التجاهلات الصغيرة. --- في أحد معارض التصميم الدولية... كانت سارة تعرض أحدث مشاريعها. اقترب منها رجل أعمال كبير. صافحها باحترام. وقال: "إحنا بندور على شريك يقود مشروعنا الجديد في الشرق الأوسط." ابتسمت. وسألته عن تفاصيل المشروع. أصبحت تتكلم بثقة... بنفس الثقة التي كانت تظن يومًا أنها فقدتها للأبد. --- وبينما كانت تغادر المعرض... سمعت صوتًا يناديها. التفتت. كان زين. وقف على بعد خطوات. ملامحه اختلفت. وشعره بدأ يغزوه الشيب. اقترب ببطء. وقال: "إزيك يا سارة؟" ابتسمت بهدوء. "الحمد لله... كويسة." ساد بينهما صمت قصير. ثم قال: "كنت عايز أقولك حاجة من زمان." هزت رأسها في هدوء. "اتفضل." أخذ نفسًا عميقًا. وقال: "أنا آسف." "مش علشان الجواز انتهى..." "لكن علشان وأنا معاكِ... ما شفتش قيمتك." ابتسمت سارة ابتسامة هادئة. لا شماتة فيها... ولا غضب. وقالت: "الاعتذار الجميل..." "بيشفي الجروح." ثم أضافت: "بس مش بيرجع الزمن." خفض زين رأسه. وقال: "عارف." "وأتمنى تكوني سعيدة." ابتسمت. "أنا فعلًا سعيدة." مد يده يصافحها. صافحته باحترام. ثم سارت في طريقها. لم تلتفت خلفها. ولم يكن ذلك قسوة... بل لأنها لم تعد تعيش في الماضي. أما زين... فظل واقفًا يراقبها حتى اختفت وسط الزحام. ثم ابتسم لنفسه لأول مرة منذ سنوات. لأنه أدرك أن الحب الحقيقي... لا يعني امتلاك إنسان. بل احترامه وهو معك... قبل أن تضطر الحياة أن تعلمك قيمته بعد رحيله. وفي تلك اللحظة... كانت سارة تمشي نحو اجتماع جديد... وحلم جديد... وحياة اختارتها بنفسها. وللمرة الأولى... كان الاتجاه الذي سافرت إليه... هو الاتجاه الصحيح. تمت.