قبلت عشرة ملايين جنيه علشان أختفي من حياة ابني... وبعد خمس سنين، جه بنفسه يدور عليا وقال: "بكام ترضي تبقي أمي؟" "بيقولوا إنك بتحبي الفلوس..."قالها الطفل وهو حاطط بطاقة بنكية سودا على ترابيزة استقبال الفندق. "...بكام تقبلي تبقي أمي؟"الجملة نزلت على قلبي كأنها سكينة.بصيت في وشه...واتجمدت. نفس العينين الرمادي.نفس النظرة الهادية. نفس الملامح اللي حاولت أنساها خمس سنين. ملامح عمر الشاذلي.الراجل اللي خد مني كل حاجة... من غير ما يرفع صوته مرة واحدة.اسمي سارة عبد الرحمن. زمان كنت مجرد مصممة ديكور مسارح لسه بتحاول تثبت نفسها. وهو...كان وريث واحدة من أغنى العائلات في القاهرة. أصحاب شركات...وفنادق...وقنوات إعلامية. كنا من عالمين مختلفين.لكن حبينا بعض. أو على الأقل...أنا كنت فاكرة كده.بعد شهور... جبت طفلنا.وقبل ما أخرج من المستشفى... دخلت عليا والدته.هدى الشاذلي. ست ما كانتش محتاجة تعلي صوتها...الفلوس كانت بتتكلم بدلها.حطت شيك قدامي.عشرة ملايين جنيه. وقالت بهدوء:"خديهم... واختفي.""حفيدي هيعيش باسم عيلتنا.""أما إنتِ...""فهتفضلي وصمة." وقعت.وسبت ابني..بعد ما غلبت معاها توسلات ودموع وهي ست قادره هددتني بكل الطرق لكن محدش عرف... إني ما صرفتش ولا جنيه واحد. حطيت المبلغ كله في حساب باسمه.وقلت يمكن... يوم يعرف...إني ما بعتوش.أنا بس...اتكسرت. دلوقتي...بعد خمس سنين...كان واقف قدامي. شعره الأسود منكوش.بدلته شيك جدًا. وحذاؤه تمنه أكتر من أول مرتب قبضته في حياتي...ابتسم وقال بثقة الأطفال:"أنا يوسف الشاذلي." "بس كله بيناديني يوسف."ابتسمت رغم وجعي.وسألته: "جيت لوحدك؟" هز كتفه.وقال:"السواق مستنيني." "خفت يقرب...""قولتله لو لحقني هقول لبابا إنه خلاني آكل حلويات قبل الغدا." ضحكت غصب عني.كان عنده نفس شقاوتي.مش شقاوة أبوه.بعدين بصلي فجأة وقال:"إنتِ مش غريبة."قلبي وقف..."شفت صورتك في مكتب بابا."كانت مستخبية جوه كتاب.""ولما سألته مين دي...""قفل الكتاب بسرعة."اتجمدت مكاني.وكمل:"وسمعت جدتي بتقول إنك فضلتي الفلوس عليا." دموعي اتحبست بالعافية.قلت:"وإنت صدقتها؟"هز راسه بالنفي.وقال بكل براءة:"لأ.""اللي بيحب الفلوس...""بيبتسم لما ياخدها.""لكن إنتِ...""وشك بيعيط كل ما تبصيلي."ما عرفتش أرد.كان بيقرأ قلبي...أكتر مني.بعدها قرب خطوة. وقال:"محتاجك.""في حفلة المدرسة.""في ولد قاللي معنديش ماما.""قولتله عندي." "قولتله إن ماما مصممة مشهورة...""وحلوة.""بس لازم تيجي علشان يصدقني."حسيت روحي بتتسحب مني. قلت بصوت مكسور:"ما ينفعش."عيناه لمعت.لكن ما بكيش.واضح إنه اتعلم من عيلته...إن الرجالة ما تعيطش.لف...وجري ناحية باب الفندق.صرخت:"يوسف!"خرجت وراه.وأول ما وصلت للباب...شفتها. سيارة مرسيدس S-Class سودا واقفة قدام الفندق. وسند عليها...راجل ببدلة رمادي غامق.وربطة عنق متقفلة بإتقان. ونفس العينين اللي فضلت أهرب منهم خمس سنين. عمر الشاذلي.يوسف جري عليه...وخبطه بإيده الصغيرة.وقال بعصبية:"كل ده بسببك!"عمر بصله باستغراب."عملت إيه تاني؟"يوسف شاور عليا.وقال وهو على وشك العياط:"اتأخرت جدًا.""دلوقتي ماما مش عايزة تيجي."رفع عمر عينه...وبصلي.الدنيا كلها سكتت.وبعد لحظة...اتقدم ناحيتي.وقال الجملة اللي خلت الدم ينسحب من وشي: "يوسف ما جاش لوحده يا سارة...""أنا اللي اديته عنوانك."يتبع...الكاتبة أسما السيد @أبرز المعجبين الفصل الثاني وقفت مكاني كأني اتجمدت. بصيت لعمر... وبعدين ليوسف. وأول كلمة خرجت مني كانت: "إنت مالكش حق." عمر ما ردش بسرعة. كان باصصلي بنفس الهدوء اللي كان دايمًا بيكسرني. قال: "عارف." اتعصبت أكتر. "بعد خمس سنين... تفتكر كلمة عارف تكفي؟" يوسف كان واقف بينهم، يبصلي مرة، ويبص لأبوه مرة. واضح إنه حاسس إن فيه حاجة أكبر منه بكتير. عمر نزل على ركبته قدام ابنه. وقال بابتسامة هادية: "يوسف... ادخل العربية خمس دقايق، وأنا جاي." الولد هز راسه. لكن قبل ما يمشي، بصلي وقال: "هستناك." الجملة دي لوحدها خلت قلبي يوجع. أول ما باب العربية اتقفل... لف عمر ناحيتي. "كنت عارف إنك هتكرهيني." ضحكت بمرارة. "لسه عارف؟" "أنا عمري ما بطلت أكره اليوم اللي سيبت فيه ابني." سكت. بعدين قلت: "بس مش أنا اللي اخترت." أول مرة شفت ملامحه تتغير. "إيه قصدك؟" ضحكت. ضحكة كلها وجع. "إنت بجد لحد النهارده فاكر إني بعت ابني بعشرة ملايين؟" قال بثقة: "أمي قالتلي بنفسها." "وقالتلك كمان إني خرجت من المستشفى وأنا بضحك؟" ما ردش. كملت. "وقالتلك إني كنت ببوس الفلوس قبل ما أمشي؟" بدأ القلق يظهر في عينه. "سارة..." قاطعتُه. "لأ... اسمع. لأول مرة في حياتك... اسمع." رجعت بذاكرتي لليلة المستشفى. كنت لسه والدة من ساعات. جسمي كله بيوجعني. وابني نايم جنبي. دخلت هدى الشاذلي. وراها اتنين محامين. ورجل أمن. قفلت الباب. وقالت: "إنتِ ذكية. وعارفة إنك مستحيل تكسبي." فضلت أبكي. وأقول: "سيبولي ابني." قالت بكل برود: "لو رفضتي... هعتبرك خطفتي وريث العيلة." كنت مذهولة. قالت للمحامي: "وريها الملفات." طلع ملف كبير. صور. تقارير. عقود. قالت: "هنرفع عليكي خمس قضايا. وهتلفي المحاكم سنين. وفي الآخر... ولا هتشوفيه." وقعت على الأرض. حضنت يوسف. كنت ببكي بشكل هستيري. قالت وهي بتبص في الساعة: "قدامك عشر دقايق." رجعت للواقع. وعمر واقف قدامي... وشه شاحب. قال بصوت واطي: "الكلام ده... مستحيل." طلعت من شنطتي ظرف قديم. كنت محتفظة بيه. فتحت الظرف. طلعت صورة. أنا... وحاضنة يوسف في المستشفى. وورا الصورة... كتبت بخط إيدي. "سامحني يا حبيبي. أنا ما بعتكش." ومعاها صورة كشف تحويل بنكي. تحويل كامل. عشرة ملايين جنيه. لحساب باسم: يوسف عمر الشاذلي. عمر خطف الورقة. قرأها مرة. واتنين. وتلاتة. إيده بدأت ترتعش. "إيه ده؟" قلت بهدوء: "المبلغ كله موجود باسم ابنك. ولا لمست منه جنيه." بصلي. "ليه؟" دموعي نزلت. "علشان لما يكبر... لو كرهني... يبقى يكرهني وهو عارف الحقيقة." فضل ساكت دقيقة كاملة. بعدها سأل: "ليه ما جيتيش تدوري علينا؟" ضحكت. "وأدخل بيت الشاذلي؟ مين كان هيسمحلي؟ أمك كانت باعت ناس يراقبوني. غيرت شغلي. غيرت عنواني. غيرت رقمي. حتى اسمي على مواقع الشغل غيرته." اتسعت عينه. "إيه؟" "كنت كل ما أشتغل في مشروع... حد يتصل بصاحب المشروع. ويتلغي التعاقد. كل مرة. لحد ما فهمت الرسالة." عمر بقى شكله مصدوم. "أنا ما كنتش أعرف." بصيتله. "ودي أكبر مصيبة. إنك ما كنتش تعرف." في اللحظة دي... باب العربية اتفتح. يوسف نزل. وجري علينا. مسك إيد أبوه. وإيدي. وحاول يجمعهم. وقال بكل براءة: "خلاص بقى. اتصالحوا." أنا وعمر بصينا لبعض. ولا واحد عرف يتكلم. يوسف قال: "أنا عندي فكرة." ابتسمت رغم دموعي. "إيه هي؟" قال: "تيجي حفلة المدرسة. ولو بعدها مش حباني... امشي." قلبي وقع. بصيت لعمر. قال بهدوء: "القرار قرارك." كنت عارفة إن مجرد دخولي المدرسة... هيقلب الدنيا كلها. هدى الشاذلي أكيد هتعرف. والحرب هتبدأ من جديد. لكن لأول مرة... لقيت ابني ماسك إيدي. ومش عايز يسيبها. فهمست: "هفكر." يوسف ابتسم. وقال بثقة: "يبقى هتيجي." ولأول مرة منذ خمس سنوات... حسيت إن القدر... لسه مخلصش حكايته معايا. الفصل الثالث قضيت الليلة كلها صاحية. كل ما أغمض عيني، أشوف يوسف وهو واقف قدامي، ماسك البطاقة البنكية وبيقول: "بكام ترضي تبقي أمي؟" ولا مرة وجعتني كلمة قدها. كنت فاكرة إن أصعب حاجة عملتها في حياتي هي اللحظة اللي خرجت فيها من المستشفى من غيره. لكن اكتشفت إن الأصعب بكتير... إني أشوفه قدامي، وما أقدرش أحضنه. في الصبح، كنت لسه بفتح اللابتوب عشان أراجع تصميم لمسرحية جديدة، لما موبايلي رن. رقم غريب. ترددت ثواني، وبعدين رديت. جالي صوت يوسف وهو بيضحك: "عرفت أجيب رقمك." ابتسمت من غير ما أحس. "إزاي؟" قال بفخر: "بابا كان مخبيه، بس أنا شاطر." في الخلفية سمعت صوت عمر: "يوسف... اديني الموبايل." الولد ضحك وجري. "لأ... الأول هكلم ماما." الكلمة دي... "ماما." خلت دموعي تنزل من غير استئذان. قال بصوت صغير: "هتيجي؟" سكت. قال بسرعة: "أنا قلت للمدرس إن ماما هتحضر." غمضت عيني. كنت عارفة إن لو وعدته ومروحتش، هكسر قلبه. ولو رحت... هفتح باب كنت بقالي خمس سنين بقفله. قلت بهدوء: "هحاول." يوسف صرخ من الفرحة: "يبقى هتيجي." وأقفل السكة قبل ما أرد. بعد دقيقة بالظبط، جالي اتصال من عمر. رديت. قال بهدوء: "آسف." قلت ببرود: "على إيه؟" "على إنه أخد الموبايل." ضحكت لأول مرة من سنين. "سيبه... أول مرة يعمل حاجة تفرحني." سكت شوية. وبعدين قال: "الحفلة بكرة الساعة عشرة." "أنا عارف إنك مترددة." "بس القرار في إيدك." وقفل. من غير ضغط. من غير أوامر. وده كان جديد على عمر اللي كنت أعرفه. تاني يوم... وقفت قدام دولاب هدومي أكتر من نص ساعة. ألبس إيه؟ هدوم بسيطة؟ ولا شيك؟ وبعدين ضحكت على نفسي. أنا رايحة أشوف ابني... مش رايحة عرض أزياء. لبست بدلة كحلي بسيطة، وربطت شعري. ولأول مرة من خمس سنين... حطيت البرفان اللي عمر كان جايبهولي يوم عيد ميلادي. وقفت قدام المراية. وسألت نفسي: "هيعرفني؟" وصلت المدرسة قبل المعاد بعشر دقايق. مدرسة دولية ضخمة. أمن. حدايق. وعربيات فاخرة مالية المكان. أول ما نزلت من التاكسي، حسيت بنظرات الناس. أنا مختلفة. كلهم جايين بسواقين. وأنا جاية لوحدي. كنت لسه داخلة، لما سمعت صوت بيجري ناحيتي. "ماماااااا!" لفيت. يوسف. جري بكل قوته. ورمى نفسه في حضني. حضنته. لأول مرة. حضن كامل. فضلت أبكي. وهو بيضحك. قال: "أنا كسبت." قلت وأنا بضحك وسط دموعي: "كسبت إيه؟" قال: "كنت عارف إنك هتيجي." في اللحظة دي، كل الناس بصت علينا. والأمهات بدأوا يهمسوا. "مين دي؟" "دي أم يوسف؟" "إحنا أول مرة نشوفها." لكن يوسف كان ولا فارق معاه. كان ماسك إيدي بكل فخر. وبيشدني ناحية الفصل. دخلنا. المعلمة ابتسمت وقالت: "أخيرًا شفنا ماما يوسف." قبل ما أرد... سمعت صوت كعب عالي بيخبط في أرضية الممر. صوت أعرفه كويس. لفيت ببطء. هدى الشاذلي. واقفة عند الباب. لابسة تايور أبيض، ونضارة شمس كبيرة، وملامحها جامدة زي ما هي. أول ما عينيها وقعت عليا... ابتسامتها اختفت. بصت ليوسف. وقالت بحدة: "يوسف... تعالى هنا." الولد بص لها. وبعدين مسك إيدي أقوى. وقال قدام كل الموجودين: "لأ." هدى قربت خطوة. "قولت تعالى." يوسف هز راسه. "أنا واقف مع ماما." الجملة نزلت على هدى كأنها صفعة. وشها احمر. وقالت وهي بتحاول تتمالك نفسها: "إنت صغير ومش فاهم." يوسف رد من غير خوف: "أنا فاهم كويس." "دي ماما." "ومحدش هيمنعني أحبها." في اللحظة دي... وصل عمر. وقف بينا وبين والدته. وبص لها نظرة مختلفة لأول مرة. وقال بصوت هادئ، لكنه حاسم: "انتهى الزمن اللي كنتِ بتقرري فيه مين يدخل حياة ابني... ومين يخرج منها." هدى بصتله بعدم تصديق. وقالت: "إنت بتقف ضدي؟" عمر رد وهو ماسك كتف يوسف: "أنا مش ضدك..." "أنا مع الحقيقة." لكن هدى ابتسمت ابتسامة باردة وقالت: "الحقيقة؟" "يبقى استعدوا... لأن الحقيقة الكاملة هتطلع النهارده." ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا بنيًا سميكًا، ووضعته على مكتب مديرة المدرسة أمام الجميع، وقالت: "جواه كل حاجة تثبت إن سارة باعت ابنها بإرادتها." ساد الصمت... بينما شعرت سارة أن المعركة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن. يتبع