بعد الفراق اسما السيد×1

وقال بثقة:

“يبقى هتيجي.”

ولأول مرة منذ خمس سنوات…

حسيت إن القدر…

لسه مخلصش حكايته معايا.

الفصل الثالث
قضيت الليلة كلها صاحية.
كل ما أغمض عيني، أشوف يوسف وهو واقف قدامي، ماسك البطاقة البنكية وبيقول:
“بكام ترضي تبقي أمي؟”
ولا مرة وجعتني كلمة قدها.
كنت فاكرة إن أصعب حاجة عملتها في حياتي هي اللحظة اللي خرجت فيها من المستشفى من غيره.
لكن اكتشفت إن الأصعب بكتير…
إني أشوفه قدامي، وما أقدرش أحضنه.
في الصبح، كنت لسه بفتح اللابتوب عشان أراجع تصميم لمسرحية جديدة، لما موبايلي رن.
رقم غريب.
ترددت ثواني، وبعدين رديت.
جالي صوت يوسف وهو بيضحك:
“عرفت أجيب رقمك.”
ابتسمت من غير ما أحس.
“إزاي؟”
قال بفخر:
“بابا كان مخبيه، بس أنا شاطر.”
في الخلفية سمعت صوت عمر:
“يوسف… اديني الموبايل.”
الولد ضحك وجري.
“لأ… الأول هكلم ماما.”
الكلمة دي…
“ماما.”
خلت دموعي تنزل من غير استئذان.
قال بصوت صغير:
“هتيجي؟”
سكت.
قال بسرعة:
“أنا قلت للمدرس إن ماما هتحضر.”
غمضت عيني.
كنت عارفة إن لو وعدته ومروحتش، هكسر قلبه.
ولو رحت…
هفتح باب كنت بقالي خمس سنين بقفله.
قلت بهدوء:
“هحاول.”
يوسف صرخ من الفرحة:
“يبقى هتيجي.”
وأقفل السكة قبل ما أرد.
بعد دقيقة بالظبط، جالي اتصال من عمر.
رديت.
قال بهدوء:
“آسف.”
قلت ببرود:
“على إيه؟”
“على إنه أخد الموبايل.”
ضحكت لأول مرة من سنين.
“سيبه… أول مرة يعمل حاجة تفرحني.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“الحفلة بكرة الساعة عشرة.”
“أنا عارف إنك مترددة.”
“بس القرار في إيدك.”
وقفل.
من غير ضغط.
من غير أوامر.
وده كان جديد على عمر اللي كنت أعرفه.
تاني يوم…
وقفت قدام دولاب هدومي أكتر من نص ساعة.
ألبس إيه؟
هدوم بسيطة؟
ولا شيك؟
وبعدين ضحكت على نفسي.
أنا رايحة أشوف ابني…
مش رايحة عرض أزياء.
لبست بدلة كحلي بسيطة، وربطت شعري.
ولأول مرة من خمس سنين…
حطيت البرفان اللي عمر كان جايبهولي يوم عيد ميلادي.
وقفت قدام المراية.
وسألت نفسي:
“هيعرفني؟”
وصلت المدرسة قبل المعاد بعشر دقايق.
مدرسة دولية ضخمة.
أمن.
حدايق.
وعربيات فاخرة مالية المكان.
أول ما نزلت من التاكسي، حسيت بنظرات الناس.
أنا مختلفة.
كلهم جايين بسواقين.
وأنا جاية لوحدي.
كنت لسه داخلة، لما سمعت صوت بيجري ناحيتي.
“ماماااااا!”
لفيت.
يوسف.
جري بكل قوته.
ورمى نفسه في حضني.
حضنته.
لأول مرة.
حضن كامل.
فضلت أبكي.
وهو بيضحك.
قال:
“أنا كسبت.”
قلت وأنا بضحك وسط دموعي:
“كسبت إيه؟”
قال:
“كنت عارف إنك هتيجي.”
في اللحظة دي، كل الناس بصت علينا.
والأمهات بدأوا يهمسوا.
“مين دي؟”
“دي أم يوسف؟”
“إحنا أول مرة نشوفها.”
لكن يوسف كان ولا فارق معاه.
كان ماسك إيدي بكل فخر.
وبيشدني ناحية الفصل.
دخلنا.
المعلمة ابتسمت وقالت:
“أخيرًا شفنا ماما يوسف.”
قبل ما أرد…
سمعت صوت كعب عالي بيخبط في أرضية الممر.
صوت أعرفه كويس.
لفيت ببطء.
هدى الشاذلي.
واقفة عند الباب.
لابسة تايور أبيض، ونضارة شمس كبيرة، وملامحها جامدة زي ما هي.
أول ما عينيها وقعت عليا…
ابتسامتها اختفت.
بصت ليوسف.
وقالت بحدة:
“يوسف… تعالى هنا.”
الولد بص لها.
وبعدين مسك إيدي أقوى.
وقال قدام كل الموجودين:
“لأ.”
هدى قربت خطوة.
“قولت تعالى.”
يوسف هز راسه.
“أنا واقف مع ماما.”
الجملة نزلت على هدى كأنها صفعة.
وشها احمر.
وقالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
“إنت صغير ومش فاهم.”
يوسف رد من غير خوف:
“أنا فاهم كويس.”
“دي ماما.”
“ومحدش هيمنعني أحبها.”
في اللحظة دي…
وصل عمر.
وقف بينا وبين والدته.
وبص لها نظرة مختلفة لأول مرة.
وقال بصوت هادئ، لكنه حاسم:
“انتهى الزمن اللي كنتِ بتقرري فيه مين يدخل حياة ابني… ومين يخرج منها.”
هدى بصتله بعدم تصديق.
وقالت:
“إنت بتقف ضدي؟”
عمر رد وهو ماسك كتف يوسف:
“أنا مش ضدك…”
“أنا مع الحقيقة.”
لكن هدى ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
“الحقيقة؟”
“يبقى استعدوا… لأن الحقيقة الكاملة هتطلع النهارده.”
ثم أخرجت من حقيبتها ملفًا بنيًا سميكًا، ووضعته على مكتب مديرة المدرسة أمام الجميع، وقالت:
“جواه كل حاجة تثبت إن سارة باعت ابنها بإرادتها.”
ساد الصمت…
بينما شعرت سارة أن المعركة الحقيقية لم تبدأ إلا الآن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *