سنين الغربه حكايات اسما السيد

أمي ما صرختش.

ما شتمتش.

ولا حتى عيطت قدامه.

قالت بهدوء:

“أنا موافقة… بس بنتك مش هتسيبها.”

ضحك باستهزاء وقال:

“خليها معاكي… أنا عندي حياة جديدة.”

الكلمة دي عمرها ما خرجت من وداني.

“أنا عندي حياة جديدة.”

وكأن أنا وأمي كنا حياة قديمة لازم يرميها.

خرجنا من البيت بشنطتين صغيرين.

لا معانا فلوس.

ولا مكان نروح له.

أمي أخدتني وراحت عند خالتي، وبدأت من الصفر.

كانت تشتغل شغلانتين.

وترجع بالليل وهي مش قادرة تقف على رجليها.

لكنها عمرها ما خلتني أحس إني ناقصاني حاجة.

كانت تقول لي كل يوم:

“ذاكري… النجاح هو اللي هيجيبلك حقك.”

وأنا صدقتها.

عدت السنين…

كبرت.

ودخلت الجامعة بتفوق.

وبعدين اشتغلت.

وبقيت أعتمد على نفسي.

أما أمي…

فأول مرتب قبضته، حطيته في إيدها.

وبكيت وأنا بقول:

“الدور جه عليا أريحك.”

حضنتني وهي بتعيط.

وقالت:

“أنا كسبت الدنيا بيكي.”

في نفس الوقت…

حياة بابا ما كانتش ماشية زي ما كان متخيل.

الست اللي استحمل علشانها خسر أهله وبنته…

بدأت تطلب أكتر.

بيت أكبر.

عربية أحدث.

سفر.

فلوس.

ولما فلوسه قلت…

اتغيرت معاه.

وسابته بعد كام سنة، بعد ما أخدت كل اللي قدرت تاخده.

واتجوزت غيره.

سمعنا بعدها إنه باع البيت.

وخسر شغله.

وبقى عايش لوحده في شقة إيجار.

وفي يوم…

بعد أكتر من عشرين سنة.

وأنا خارجة من شغلي، لقيت راجل كبير قاعد على الرصيف.

بصلي طويل.

وقال بصوت مكسور:

“إنتِ… بنتي؟”

عرفته من عينيه.

كان بابا.

شعره كله أبيض.

ووشه مليان تعب.

قالي:

“سامحيني.”

بصيتله…

وافتكرت كل مرة كنت أجري على الباب مستنياه.

وافتكرت كل ليلة كنت أنام وأنا مستنية حضنه.

وافتكرت دموع أمي وهي بتلم إزاز الكوباية بإيديها.

قلتله بهدوء:

“أنا سامحتك من زمان… علشان قلبي يرتاح.”

رفع رأسه وكأن الأمل رجعله.

لكن كملت كلامي:

“بس التسامح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول.”

سكت.

وأول مرة أشوفه يبكي.

مديتله ظرف فيه مبلغ يساعده.

رفض في الأول.

لكن قولتله:

“دي مش صدقة… دي بنت بتعمل اللي أمها ربتها عليه.”

وسبتله الظرف ومشيت.

رجعت البيت.

لقيت أمي قاعدة على البلكونة بتسقي الورد.

ابتسمت أول ما شافتني.

حضنتها.

وقلتلها:

“انتهى كل الوجع يا أمي.”

ابتسمت وهي تبص للسما، وقالت:

“ربنا عمره ما بيضيع تعب حد.”

وقتها فهمت إن الزمن ممكن يرجع ناس…

لكن عمره ما يرجع السنين اللي ضاعت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *