بعد سنين غربه بابا رجع وفي ايدة واحده تانيه غير امي بابا سافر على وعد إنه هيرجع... زي أبطال المسلسلات. بس رجع في إيده واحدة تانية... مقروف وبيستعر من أمي...ومني الجملة دي ممكن تبان عادية لأي حد... لكن بالنسبة ليا كانت بداية الحكاية اللي غيرت حياتي كلها. أنا وقتها ماكنتش فاهمة يعني إيه راجل يتجوز على مراته، ولا يعني إيه قلب ممكن يتغير بالشكل ده. كل اللي كنت أعرفه إن بابا سافر. قبل ما يسافر حضني، وباس راسي، وقال وهو بيبتسم: "استنوني... مش هتأخر." أمي صدقته. باعت دهبها علشان تساعده في السفر، وكانت كل يوم تعد الأيام، وتحلم باللحظة اللي يرجع فيها ونبدأ حياة أحسن. وأنا... كنت كل ليلة أسألها: "بابا هيرجع إمتى؟" فتبتسم وهي مخبية دموعها وتقول: "قريب يا حبيبتي." وكلمة "قريب" دي فضلت عايشة جوايا سنين. كنت أقعد قدام التلفزيون بالساعات. أشوف بطل المسلسل يسافر، أو يختفي، أو حتى يموت... وبعد كام حلقة يرجع تاني. فكنت أضحك وأقول لنفسي: "أكيد بابا هيعمل كده... أكيد هيفتح الباب فجأة." كل ما جرس الباب يرن، أجري قبله. وكل ما أسمع صوت عربية تقف تحت البيت، أبص من الشباك يمكن يكون هو. كنت مستنياه يجيبلي لعبة... أو شوكولاتة... أو حتى ياخدني في حضنه. لكن الأيام كانت بتعدي... وشهور الغياب بقت سنين. وأمي بقت هي الأب والأم في نفس الوقت. تشتغل من الصبح لليل، وترجع تعمل كل حاجة بنفسها. ولما كنت أسألها: "هو بابا اتأخر ليه؟" كانت ترد بابتسامة مكسورة: "ادعيله." لحد اليوم اللي سمعت فيه الكبار بيهمسوا: "اتجوز هناك." ماكنتش فاهمة معنى الجملة. لكن بعد فترة... فهمت. وفهمت أكتر يوم ما الباب اتفتح. دخل بابا... لكن ماكانش لوحده. كان ماسك إيد ست تانية، وباصص لأمي وكأنها واحدة غريبة عنه. أما أنا... جريت عليه بكل فرحة السنين. حضنته وأنا بضحك: "بابا... أخيرًا رجعت." لكنه بعدني عنه بهدوء، وقال لأمي من غير حتى ما يبصلي: "خدي البنت دي... أنا تعبان من السفر." وقفت مكاني. لأول مرة أحس إن حضن أبويا بقى غريب. ولأول مرة أشوف أمي تكسرها كلمة واحدة. لكن الصدمة الأكبر... ما كانتش في الست اللي واقفة جنبه. ولا في طريقته مع أمي. الصدمة كانت لما الست بصت حوالين البيت، وابتسمت وقالت بكل ثقة: "هو ده البيت اللي هنعيش فيه؟" في اللحظة دي... وقعت الكوباية من إيد أمي، واتكسرت على الأرض. ولأول مرة في حياتي... شفت الدموع بتنزل من عينيها قدامي. وساعتها عرفت إن بابا ما رجعش علشان يرجع لنا... رجع علشان يهد البيت اللي استنته أمي سنين... وده كان مجرد بداية الكابوس..."الحكاية لم تنتهِ بعد..." 📖 رابط القصة الكاملة في أول تعليق. ✍️ الكاتبة أسما السيد بعدها بدأت الأيام تمشي بشكل ما كنتش أتخيله حتى في أسوأ كوابيسي. الست الجديدة دخلت البيت وكأنها صاحبته. بصت لكل ركن فيه باحتقار، وقالت وهي بتتنهد: "البيت محتاج يتغير كله." أمي ما ردتش. فضلت واقفة تجمع إزاز الكوباية المكسورة بإيديها، لحد ما جرحت صوابعها، وكأن الوجع اللي جواها أكبر من أي جرح. أما بابا... ولا كأنه شاف الدم. من اليوم الأول، كل حاجة اتغيرت. أوضتنا بقت أوضة الست الجديدة. وأمي نامت معايا في أوضة صغيرة جنب المطبخ. ولما اعترضت، قال بكل برود: "هي مراتي... ومن حقها ترتاح." كنت صغيرة... لكن كنت فاهمة إن الحق عمره ما يبقى على حساب حد تاني. مرت الأيام، وبابا بقى شخص تاني. بقى يزعق لأمي على أقل حاجة. ولو الأكل ما عجبوش، يرمي الطبق. ولو البيت مش نضيف على مزاج مراته، يفضل يشتم طول اليوم. أما أنا... فكنت كل ما أجري عليه، ألاقيه يبعدني. وفي مرة جمعت كل شجاعتي، وقلتله: "بابا... هو إنت بطلت تحبني؟" بصلي ثواني، وبعدين قال: "كبرتي... بطلي دلع." رجعت أوضتي يومها وأنا حاسة إن في حاجة جوايا ماتت. الست الجديدة كانت بتكره وجودنا. كل يوم تحاول تقنعه إن البيت صغير، وإنه لازم "يرتب حياته". وفي ليلة، سمعتها بتقوله: "إنت هتفضل شايل همهم لحد إمتى؟" رد: "أعمل إيه يعني؟" قالت وهي بتضحك: "طلقها... وخلي كل واحد يشوف حاله." كنت واقفة ورا الباب. سمعت كل كلمة. وجريت على أمي أبكي. لكنها حضنتني وقالت: "متخافيش... ربنا كبير." بعد أسبوع... بابا فعلاً طلب الطلاق. أمي ما صرختش. ما شتمتش. ولا حتى عيطت قدامه. قالت بهدوء: "أنا موافقة... بس بنتك مش هتسيبها." ضحك باستهزاء وقال: "خليها معاكي... أنا عندي حياة جديدة." الكلمة دي عمرها ما خرجت من وداني. "أنا عندي حياة جديدة." وكأن أنا وأمي كنا حياة قديمة لازم يرميها. خرجنا من البيت بشنطتين صغيرين. لا معانا فلوس. ولا مكان نروح له. أمي أخدتني وراحت عند خالتي، وبدأت من الصفر. كانت تشتغل شغلانتين. وترجع بالليل وهي مش قادرة تقف على رجليها. لكنها عمرها ما خلتني أحس إني ناقصاني حاجة. كانت تقول لي كل يوم: "ذاكري... النجاح هو اللي هيجيبلك حقك." وأنا صدقتها. عدت السنين... كبرت. ودخلت الجامعة بتفوق. وبعدين اشتغلت. وبقيت أعتمد على نفسي. أما أمي... فأول مرتب قبضته، حطيته في إيدها. وبكيت وأنا بقول: "الدور جه عليا أريحك." حضنتني وهي بتعيط. وقالت: "أنا كسبت الدنيا بيكي." في نفس الوقت... حياة بابا ما كانتش ماشية زي ما كان متخيل. الست اللي استحمل علشانها خسر أهله وبنته... بدأت تطلب أكتر. بيت أكبر. عربية أحدث. سفر. فلوس. ولما فلوسه قلت... اتغيرت معاه. وسابته بعد كام سنة، بعد ما أخدت كل اللي قدرت تاخده. واتجوزت غيره. سمعنا بعدها إنه باع البيت. وخسر شغله. وبقى عايش لوحده في شقة إيجار. وفي يوم... بعد أكتر من عشرين سنة. وأنا خارجة من شغلي، لقيت راجل كبير قاعد على الرصيف. بصلي طويل. وقال بصوت مكسور: "إنتِ... بنتي؟" عرفته من عينيه. كان بابا. شعره كله أبيض. ووشه مليان تعب. قالي: "سامحيني." بصيتله... وافتكرت كل مرة كنت أجري على الباب مستنياه. وافتكرت كل ليلة كنت أنام وأنا مستنية حضنه. وافتكرت دموع أمي وهي بتلم إزاز الكوباية بإيديها. قلتله بهدوء: "أنا سامحتك من زمان... علشان قلبي يرتاح." رفع رأسه وكأن الأمل رجعله. لكن كملت كلامي: "بس التسامح مش معناه إن كل حاجة ترجع زي الأول." سكت. وأول مرة أشوفه يبكي. مديتله ظرف فيه مبلغ يساعده. رفض في الأول. لكن قولتله: "دي مش صدقة... دي بنت بتعمل اللي أمها ربتها عليه." وسبتله الظرف ومشيت. رجعت البيت. لقيت أمي قاعدة على البلكونة بتسقي الورد. ابتسمت أول ما شافتني. حضنتها. وقلتلها: "انتهى كل الوجع يا أمي." ابتسمت وهي تبص للسما، وقالت: "ربنا عمره ما بيضيع تعب حد." وقتها فهمت إن الزمن ممكن يرجع ناس... لكن عمره ما يرجع السنين اللي ضاعت. وإن اللي يبيع أهله عشان حياة جديدة... في يوم، هيلاقي نفسه خسر الاتنين. تمت