الفصل الرابع أول ما هدى حطت الملف على مكتب المديرة... المكان كله سكت. المديرة بصتلها باستغراب وقالت: "يا فندم... إحنا في مدرسة، مش محكمة." هدى ابتسمت ابتسامة باردة. وقالت: "وده بالضبط سبب وجودي." "مش هسمح إن حد يخدع حفيدي." يوسف كان ماسك إيد سارة بقوة. وبص لجدته وقال بعفوية: "هي ما خدتنيش منك." "إنتوا اللي كنتوا مخبينها." هدى اتجمدت لحظة. لكنها رجعت تماسكت. فتحت الملف. وطلعت منه صورة الشيك. وعقد التنازل. وقالت بصوت عالي قدام الموجودين: "ده توقيعها." "وده الشيك." "وده إقرار إنها تنازلت عن أي حق في الطفل." كل الأنظار اتجهت ناحية سارة. حتى عمر... بص لها في صمت. سارة أخدت نفس طويل. وقالت بهدوء: "ممكن أشوف الورق؟" هدى ناولتهولها بثقة. "اتفضلي." سارة قلبت الأوراق واحدة واحدة. ولما وصلت لآخر صفحة... ابتسمت. أول مرة تبتسم من أول ما دخلت المدرسة. عمر استغرب. "بتبتسمي ليه؟" رفعت الورقة قدام الجميع. وقالت: "لأن الملف ناقص." هدى عقدت حاجبيها. "ناقص إيه؟" قالت سارة: "آخر صفحة." "الصفحة اللي المحامي أجبرني أمضيها بعد ما كتب عليها بخط إيده إن التوقيع تم تحت التهديد." وش هدى اصفر. لأول مرة. عمر خطف الملف من إيدها. وقلبه بسرعة. فعلاً... ترقيم الصفحات كان واضح. ١... ٢... ٣... ٥. الصفحة رقم ٤ مش موجودة. بص لأمه. وقال ببطء: "فين الصفحة الرابعة؟" هدى ردت بسرعة: "أكيد خطأ." سارة هزت راسها. "لأ." "مش خطأ." "دي أهم صفحة في الملف." المديرة قالت بجدية: "لو فيه مستند ناقص، يبقى مفيش داعي نكمل الكلام هنا." لكن قبل ما حد يتحرك... صوت جه من آخر الممر. "لأن الصفحة دي... معايا أنا." كل الناس لفت. راجل كبير في الستينات. لابس بدلة بسيطة. وشعره كله أبيض. وقف عند الباب. أول ما شافته هدى... اتغير لون وشها. همست: "محمود؟!" الراجل قرب بهدوء. وقال: "أيوه يا هانم." "الأستاذ محمود." "المحامي اللي كتب العقد ده بإيده." عمر فتح عينه بصدمة. "إنت لسه عايش؟!" ابتسم الرجل. "واضح إن في ناس كانت تتمنى العكس." هدى صرخت: "اطلع بره." لكنه تجاهلها. فتح شنطة جلد قديمة. وطلع ملف أصفر. وقال: "أنا احتفظت بنسخة كاملة من كل الأوراق." "لأن ضميري ما ارتاحش." ناول الملف لعمر. وفيه... الصفحة الرابعة. وفي آخرها مكتوب بخط اليد: "تم توقيع السيدة سارة عبد الرحمن بعد تهديدها بحرمانها من طفلها ورفع دعاوى جنائية ضدها، وقد اعترضت شفهيًا على جميع البنود." وتحت الجملة... توقيع المحامي. وختم المكتب. إيد عمر بدأت ترتعش. قرأ السطر أكتر من مرة. وبعدين رفع عينه ناحية أمه. "الكلام ده حقيقي؟" هدى سكتت. "ردي." برضه ما ردتش. يوسف بص لجدته. وبعدين لأبوه. وقال بصوت صغير: "يعني..." "ماما ما باعتنيش؟" سارة نزلت على ركبتها قدامه. دموعها كانت نازلة. وقالت: "ولا ثانية يا يوسف." "ولا لحظة." "أنا كنت مستعدة أسيب الدنيا كلها... إلا إنت." الولد حضنها بكل قوته. وقال وهو بيعيط لأول مرة: "أنا كنت عارف." حتى المدرسات اللي كانوا واقفين... بدأوا يمسحوا دموعهم. أما عمر... فكان واقف مكانه كأن الأرض اتسحبت من تحته. خمس سنين... وهو مصدق كذبة واحدة. وبسببها ضيع ابنه من أمه... وضيع نفسه منها. رفع رأسه ناحية سارة وقال بصوت مكسور: "سامحيني..." لكن سارة بصتله بهدوء وقالت: "الاعتذار لوحده... مش هيرجع خمس سنين." وفي اللحظة دي... رن هاتف هدى الشاذلي. بصت للشاشة... وفجأة اختفى ثباتها لأول مرة. وشها شحب وهي همست: "إزاي... دلوقتي؟!" ثم رفعت رأسها تنظر إلى عمر وقالت بصوت مرتجف: "لازم نمشي حالًا... الشركة فيها مصيبة." وانتهى الفصل على وجوه الجميع المصدومة، بينما أدرك عمر أن خسائره لم تعد تقتصر على عائلته فقط، بل يبدو أن إمبراطورية الشاذلي نفسها بدأت تتهاوى الفصل الخامس هدى فضلت ماسكة الموبايل... وشها بقى أبيض. قالت بصوت مرتبك: "إزاي الأسهم تنزل بالنسبة دي؟!" عمر خطف منها التليفون. قرأ الرسالة بسرعة. وبعدين بص للشخص اللي بيتكلم في السماعة. "إيه اللي حصل؟" جاله الرد... فسكت. ثواني. وبعدين قال: "أنا جاي." وقفل. سارة كانت واقفة حضنة يوسف. ولا يهمها الشركات... ولا الأسهم... كل اللي كان فارق معاها إن ابنها أخيرًا عرف الحقيقة. يوسف رفع وشه وقال: "ماما... هو إنتِ هتمشي تاني؟" الجملة دي كانت أصعب من أي حاجة. حضنت وشه بين إيديها. وقالت: "لو القرار بإيدي... عمري ما همشي." الولد ابتسم. وقال: "يبقى خلاص." لكن عمر قرب منهم. وقال بهدوء: "يوسف... استنى جوه الفصل شوية." يوسف بص لسارة. "هتفضلي؟" هزت راسها. "هستناك." دخل الفصل وهو كل شوية يبص وراه. لحد ما اختفى. أول ما يوسف دخل... عمر وقف قدام سارة. فضل ساكت ثواني. وبعدين قال: "أنا ظلمتك." سارة ردت بهدوء: "أيوه." "وصدقت إني بعت ابني." "أيوه." "وسبتك تواجهِ كل ده لوحدك." "أيوه." كل إجابة منها كانت كأنها طعنة. قال: "أنا مستعد أصلح كل حاجة." ضحكت. لكن الضحكة كانت موجوعة. "تعرف المشكلة في إيه يا عمر؟" "إيه؟" "إنك فاكر الفلوس والسلطة يقدروا يصلحوا الزمن." سكت. كملت: "يوسف أول كلمة قالها وهو بيكلمني..." "بكام ترضي تبقي أمي؟" "عارف يعني إيه طفل يسأل السؤال ده؟" نزل عمر عينه في الأرض. ما لقاش رد. في اللحظة دي... الأستاذ محمود قرب منهم. وقال: "في حاجة لازم تعرفوها." عمر بصله. "اتفضل." قال: "أنا ما ظهرتش النهارده بالصدفة." "مين بعتك؟" المحامي ابتسم. "أبوك." اتسعت عيون عمر. "أبويا؟" "بس... بابا مات من أربع سنين." هز محمود راسه. "قبل ما يموت بشهر." "استدعاني." "وقال لي..." وسكت لحظة. كأن الكلمات تقيلة. "...لو جه اليوم اللي الحقيقة تقدر تنقذ حفيدي... سلّم الورق لعمر." سارة اتفاجئت. أما عمر... فبدأت دموعه تنزل. المحامي طلع ظرف قديم. وقال: "وده كمان ليك." على الظرف كان مكتوب بخط واضح: إلى ابني عمر... لا تفتح الرسالة إلا إذا عرفت الحقيقة كاملة. إيد عمر كانت بترتعش وهو بيفتح الظرف. طلع ورقة واحدة. وبدأ يقرأ. "يا عمر... لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أنا فشلت وأنا عايش. أمك عملت حاجات كتير من وراك. وأنا عرفت متأخر. حاولت أصلح... لكنها هددت إنها تدمر العيلة لو فضحتها. أكبر غلطة عملتها في حياتي... إني سكت. لو سارة طلعت بريئة... اطلب منها السماح. ولو رفضت... اقبل رفضها. لأنها دفعت تمن سكوتنا كلنا." آخر سطر كان: "حافظ على يوسف... ومتخلهوش يورث أخطاءنا." وقع الجواب من إيد عمر. وقعد على أول كرسي. أول مرة في حياته... يحس إنه ضعيف بالشكل ده. هدى كانت واقفة بعيد. باصه للمشهد كله. وفجأة... لفت ومشيت بسرعة ناحية عربيتها. عمر نادى عليها. "ماما!" ما ردتش. ركبت العربية. وانطلقت. كأنها بتهرب. لكنها ما كانتش تعرف... إن الحقيقة خرجت للنور. ومبقاش ينفع ترجع تستخبى تاني. بعد ساعة... خلصت حفلة المدرسة. يوسف خرج وهو شايل ميدالية صغيرة. جري على سارة. وقال بسعادة: "بصي." "أنا خدت أحسن طالب في المسرح." سارة حضنته وباسته في راسه. "أنا فخورة بيك." الولد ابتسم. وبعدين طلع من شنطته ورقة. وقال: "دي كانت المفاجأة." فتحتها. كان عنوانها: "ارسم أغلى شخص في حياتك." الرسمة كانت بسيطة... ولد صغير. بينه وبين ست ماسكة إيده. وفوقهم قلب كبير. تحت الرسمة مكتوب بخط طفل: "أنا وماما." ما قدرتش تمسك دموعها. ضمت يوسف لصدرها. بقوة. كأنها بتعوض خمس سنين كاملة. أما عمر... فكان واقف بعيد. يبص عليهم. وفهم أخيرًا... إن أصعب شيء في الدنيا ليس أن تخسر شركة أو ثروة... بل أن تكتشف أنك سمحت للخوف والثقة العمياء أن يسرقوا من ابنك خمس سنوات من حضن أمه. يتبع في الفصل السادس... حيث تبدأ سارة معركة جديدة لاستعادة حقها القانوني في حضانة يوسف، بينما تواجه هدى الشاذلي نتائج أفعالها أمام القضاء والعائلة. الفصل السادس بعد حفلة المدرسة... يوسف رفض يركب العربية مع السواق. وقف في نص الجنينة، وماسك إيد سارة بإيده الصغيرة. وقال بعناد: "أنا هروح مع ماما." السواق اتوتر. وبص لعمر. "يا فندم..." عمر رفع إيده. "سيبه." قرب من يوسف وقعد على ركبته. وقال: "يا بطل... ماما لسه ما عندهاش بيت مجهز ليك، ولا المحكمة قالت حاجة." يوسف قطب. "أنا مش عايز محكمة." "أنا عايز ماما." سارة كانت بتحاول تستخبى ورا ابتسامة، لكن قلبها بيتقطع. ركعت قدامه وقالت: "بصلي يا يوسف." بصلها. "أنا وعدتك إني مش هسيبك تاني بإرادتي." "بس في حاجات لازم تتعمل صح." الولد سألها: "يعني هتيجي تشوفيني؟" ابتسمت وهي تمسح دموعه. "كل يوم لو قدرت." مد لها خنصره الصغير. "وعد؟" مدت خنصرها وربطته بخنصره. "وعد." في نفس الليلة... عمر كان قاعد في مكتب أبوه القديم. قدامه صورة العيلة. أبوه. أمه. وهو طفل. دخل عليه مدير الشؤون القانونية للشركة. وقال: "يا فندم... في حاجة لازم تعرفها." "اتفضل." فتح اللابتوب. وعرض مجموعة تحويلات مالية قديمة. كلها خارجة من حسابات خاصة بهدى الشاذلي. واحدة لمحامي. واحدة لشركة تحريات. واحدة لمكتب علاقات عامة. وعشرات التحويلات الصغيرة لأشخاص مختلفين. المدير قال: "راجعنا التحويلات بعد كلام الأستاذ محمود." "كلها تمت في نفس الفترة اللي اختفت فيها الآنسة سارة." عمر حس إن نفسه بيتقطع. "يعني..." "كان فيه ناس بيتقبض لهم علشان يمنعوها تشتغل." "أيوه يا فندم." "ودي مجرد اللي لقيناه." قفل عمر اللابتوب بعنف. أول مرة يحس إنه مش عارف أمه. في اليوم التالي... سارة كانت في مكتبها. شركة الديكور اللي اشتغلت فيها خمس سنين بدأت أخيرًا تكبر. وفجأة... السكرتيرة دخلت. "في ضيفة مستنياكي." "مين؟" "بتقول إنها والدة عمر الشاذلي." اتنهدت سارة. وقالت: "خليها تدخل." دخلت هدى. لكن المرة دي... ما كانش معاها حراس. ولا محامين. ولا حتى حقيبة ماركات. كانت داخلة لوحدها. بصت حوالين المكتب. وقالت: "عملتي اسم." سارة ردت بهدوء. "الحمد لله." قعدت هدى. ولأول مرة... كان صوتها أقل قوة. "أنا جاية أقدم عرض." سارة ابتسمت بسخرية. "عرض جديد؟" "المرة دي كام؟" هدى فتحت الشيك. وكتبته قدامها. خمسين مليون جنيه. ودفعته ناحيتها. وقالت: "سيبي يوسف." سارة بصت للشيك. ثانية. واتنين. وبعدين قامت. فتحت درج المكتب. طلعت ظرف قديم. وحطته قدام هدى. "فاكرة ده؟" هدى بصت. كان إيصال التحويل. العشرة ملايين كاملة. باسم يوسف. قالت سارة وهي بترجع الشيك: "أنا الست الوحيدة اللي رفضت عشرة ملايين وهي محتاجة." "تفتكري هبيع ابني بخمسين؟" هدى سكتت. سارة كملت: "حتى لو كتبتي رقم من عشر أصفار..." "حضن ابني ملوش تمن." هدى لأول مرة... ما لقتش كلام ترد بيه. قامت تمشي. وقبل ما تخرج... لفت وقالت: "إنتِ كسبتي الجولة." سارة ردت بثبات: "أنا ما كنتش بلعب." "أنا كنت بحارب علشان ابني." خرجت هدى. لكن وهي راكبة الأسانسير... رن موبايلها. المتصل كان رئيس مجلس إدارة مجموعة الشاذلي. أول ما ردت... سمعت الجملة اللي قلبت حياتها. "يا هانم... الجمعية العمومية قررت اجتماع طارئ." "في طلب رسمي لسحب كل صلاحياتك من المجموعة." هدى اتجمدت. وسألت بصوت مرتعش: "مين قدم الطلب؟" جالها الرد: "الأستاذ عمر الشاذلي بنفسه." وأغلقت المكالمة. وقفت هدى في الأسانسير تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة... وأدركت أن الإمبراطورية التي استخدمتها يومًا لحرمان أم من طفلها... بدأت تسقط حجرًا بعد حجر. يتيع