توأمي حكـايـات أسمـا ×2

“الأفضل يقعدوا عندي الشهرين الجايين…”
حسيت إن حد سحب الأرض من تحت رجلي.
لكن المرة دي…
ما اتكلمتش.
بصيت للتوأم.
كنت مستنية أشوف هيقولوا إيه.
ابني هو أول واحد كسر الصمت.
قال بهدوء:
“لأ يا بابا.”
طليقي استغرب.
“لأ إيه؟”
“إحنا هنفضل مع ماما.”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“يا ابني أنا بتكلم لمصلحتكم.”
رد ابني:
“عارف.”
“بس مصلحتنا مش معناها نسيب البيت.”
بنتي كملت:
“إحنا كفاية وجعناها سنة كاملة.”
“مش هنسيبها الشهرين دول كمان.”
بصيت لهم وأنا حاسة إن دموعي هتنزل.
طليقي حاول يقنعهم.
“إجراءات السفر محتاجة مشاوير كتير.”
ابني رد:
“هنروح ونرجع.”
“لكن البيت… هنا.”
سكت طليقي شوية.
وبعدين قال:
“براحتكم.”
وأول مرة من سنين…
خرج من البيت من غير ما يحاول يفرض رأيه.
الأيام اللي بعدها كانت مختلفة.
كل حاجة بقت بتتعمل قدامي.
كل ورقة بتتترجم.
كل إيميل بيتبعت.
كل معاد سفارة أو كشف طبي.
حتى لما كانوا بيذاكروا ألماني…
كانوا ينادوني.
“ماما… اسمعي النطق.”
وأنا أضحك.
وأغلط.
ونفضل كلنا نضحك.
أما أختهم الصغيرة…
فبقت تحفظ كلمات أسرع منهم.
وأوقات كانت هي اللي تصحح لهم.
وفي يوم…
دخلت أوضتهم علشان أصحيهم.
لقيت على الحيطة ورقة كبيرة.
مكتوب عليها بالألماني والعربي:
“الحلم يبدأ بخطوة.”
وقفت أبص لها شوية.
وحسيت إن الحلم ده…
ما بقاش حلمهم لوحدهم.
بقى حلمنا كلنا.
بعد أسبوع…
وصلتهم رسالة من الشركة.
المطلوب إنهم يسافروا خلال شهر.
الشقة كلها اتقلبت.
شنط.
أوراق.
كشف طبي.
صور شخصية.
وترجمة مستندات.
كنت بلف معاهم من مكان لمكان.
وفي كل مرة حد يقول:
“ربنا يباركلك في ولادك.”
كنت أبتسم.
لكن جوايا…
كان فيه خوف بيكبر كل يوم.
كل يوم يقرب من السفر…
كان يحسسني إن البيت بيودع روحه.
قبل السفر بخمسة أيام…
وأنا برتب الدولاب.
لقيت ظرف صغير باسمي.
ماكنش موجود قبل كده.
فتحته.
كان جواه جواب مكتوب بخط التوأم.
وفي آخره جملة واحدة…
خلتني أقعد على الأرض من كتر البكاء:
“يمكن نسافر من مصر يا ماما… لكن عمرنا ما هنهاجر من قلبك… وإنتِ أول بيت وآخر وطن لينا.”
يتبع…
الفصل الحادي عشر
حضنت الجواب وأنا بعيط.
يمكن أول مرة من يوم ما عرفت حكاية السفر…
أحس إن الخوف اللي جوايا بدأ يهدى شوية.
حطيت الجواب في درج الكومودينو.
لكن بعدها بدقيقة…
رجعت فتحته تاني.
قرأته.
وقفلته.
ورجعت فتحته.
كنت بحاول أحفظ كل كلمة فيه.
في اليوم اللي بعده…
قلت للتوأم:
“إجازة النهارده.”
ابني استغرب.
“إجازة من إيه؟”
قلت وأنا بابتسم:
“من الورق… ومن السفارة… ومن ألمانيا كلها.”
بصوا لبعض.
وقلت:
“هنخرج إحنا الأربعة.”
من غير مواعيد.
من غير ملفات.
من غير توتر.
لبسنا.
ونزلنا.
ركبنا المترو.
زي زمان.
لما كانوا صغيرين.
رحنا حديقة كنا بنروحها وهم أطفال.
اشترينا ذرة مشوية.
وأيس كريم.
وقعدنا على النجيلة.
أختهم الصغيرة قالت وهي بتضحك:
“أول مرة أشوفكم من غير لاب توب.”
ضحكنا كلنا.
بعد شوية…
ابني بصلي وقال:
“فاكرة يا ماما لما وقعت من العجلة؟”
ضحكت.
“وفضلت أشيلك لحد البيت.”
بنتي قالت:
“ولما كنتي تباتي جنبنا قبل الامتحانات.”
بدأنا نفتكر.
كل ذكرى كانت أحلى من اللي قبلها.
وفي آخر اليوم…
وقفنا ناخد صورة سيلفي.
أنا في النص.
والتلاتة حواليا.
قلت لهم:
“الصورة دي هتفضل على شاشة موبايلي.”
رجعنا البيت بالليل.
ولقيت ظرف تاني داخل من تحت الباب.
افتكرته إعلان.
لكن لما فتحته…
اتصدمت.
كان من مكتب محاماة.
باسمي أنا.
فتحت الورق بسرعة.
ولقيت إخطار رسمي بيقول إن طليقي رافع قضية.
قضية يطلب فيها…
نقل ولاية متابعة إجراءات سفر الولاد ليه وحده باعتباره “الأقدر على إدارة مستقبلهم”.
إيدي بدأت تترعش.
ابني أخد الورق من إيدي.
قرأه.
ولون وشه اتغير.
قال بغضب لأول مرة:
“هو لسه بيعتبر إن ماما مالهاش قيمة؟”
بنتي كانت بتعيط.
أما أنا…
فماكنتش مصدقة.
بعد كل اللي حصل…
وبعد ما قربنا من بعض من تاني…
رجع يفتح باب المشاكل.
لكن المرة دي…
ابني طلع موبايله.
وقال:
“المرة دي يا ماما… إحنا اللي هنتكلم.”
وأخد رقمه…
واتصل بأبوه.
وقال أول جملة هزت البيت كله:
“يا بابا… لو فاكر إنك هتكسب القضية وتخسر أمنا… تبقى لسه ماعرفتناش.”
يتبع…
