فستان تخرج حكـايـات أسمـا ××

نظرت ريم نحوي وكأن الأرض انهارت تحتها.

أما دينا فشهقت.

وأكملت:

“وعرفت كمان إن دينا مش بنته هو كمان.”

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

مرعب.

ثم جاءت الجملة التي غيرت كل شيء:

“الراجل اللي كان بيحول لك الفلوس طول السنين دي… هو الأب الحقيقي للبنتين.”

سقطت الرسالة تقريبًا من يدي.

أما ريم فبكت فجأة.

ـ لا…

ـ أكيد لا…

لكن الكلمات كانت واضحة.

ومكتوبة بخط أبي.

في تلك اللحظة…

فُتح باب الغرفة.

وخرجت نجلاء ببطء.

وجهها كان شاحبًا.

وعيناها ممتلئتان بالدموع.

لأول مرة منذ عرفتها…

لم تكن قوية.

ولا متسلطة.

ولا متعجرفة.

بدت منهارة.

جلست على الكرسي.

وقالت بصوت مكسور:

ـ أبوكي عرف.

نظرت إليها ريم بصدمة.

ـ يعني الكلام ده حقيقي؟

أغمضت نجلاء عينيها.

ثم هزت رأسها ببطء.

انفجرت ريم بالبكاء.

أما دينا فبقيت جامدة في مكانها.

كأن عقلها رفض استيعاب ما تسمعه.

قالت بصوت خافت:

ـ مين أبونا؟

رفعت نجلاء رأسها.

لكنها لم تستطع الكلام.

ثم همست:

ـ سامح.

ـ سامح خال بابا محمود؟

ـ أيوة.

شهقت دينا.

أما ريم فجلست على الأرض تبكي.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا.

لأن نجلاء قالت بعدها:

ـ في حاجة تانية لازم تعرفوها.

نظرنا جميعًا إليها.

ـ إيه؟

أطرقت رأسها.

ثم قالت:

ـ أبوكي ما كانش بيكرهكم.

ولا كان ناوي يفضحكم.

رفعت رأسي بسرعة.

ـ يعني إيه؟

بدأت دموعها تنزل.

ـ محمود عرف الحقيقة كلها قبل استشهاده بسنة كاملة.

ـ وعمل إيه؟

ابتسمت وسط بكائها.

ـ سامحني.

ساد الصمت.

ـ إيه؟

ـ سامحني.

ـ بعد كل ده؟

ـ أيوة.

ثم قامت ببطء.

واتجهت إلى غرفتها.

وعادت بصندوق صغير.

ووضعته أمامي.

ـ ده ليكي.

ـ إيه ده؟

ـ آخر أمانة سابها محمود عندي.

فتحت الصندوق.

وفي داخله دفتر جلدي قديم.

مذكرات أبي الشخصية.

وفي الصفحة الأولى كانت جملة واحدة:

“لو سارة بتقرا الكلام ده، يبقى وصلت للحقيقة.

لكن أهم حاجة لازم تعرفها…

إن العيلة مش دم وبس.”

بدأت دموعي تنزل دون أن أشعر.

أكملت القراءة.

وكان أبي يكتب عن كل واحدة فينا.

عني.

وعن ريم.

وعن دينا.

وكأننا بناته الثلاث.

لا فرق بيننا.

لا غضب.

لا كراهية.

ولا انتقام.

فقط حب.

في الصفحة الأخيرة كتب:

“لو في يوم اختلفتم…

افتكروا إني كنت بحبكم كلكم.

ولو في يوم بقيتوا عيلة حقيقية…

يبقى ده أكبر انتصار ليا.”

أغلقت الدفتر.

وأنا أبكي.

لكن لأول مرة منذ استشهاده…

لم تكن دموع حزن فقط.

بل دموع راحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *