عشيقة جوزي حكـايـات أسمـا ×2

استغربت.

لأن محدش بلغني.

وفجأة…

لقيت أمي طالعة على المسرح.

لابسة فستان بسيط.

من تصميمي.

إيديها كانت بترتعش.

لكن صوتها كان ثابت.

قالت:

“أنا معرفش أتكلم قدام الناس.”

الكل ابتسم.

كملت:

“بس أعرف أقول حاجة واحدة.”

وبصت ناحيتي.

“البنت دي… وأبوها مات… كان عندها خمستاشر سنة.”

“اشتغلنا أنا وهي في الخياطة.”

“وفي ليالي كتير… كنا بناكل عيش وجبنة… علشان نعرف نشتري متر قماش.”

سكتت لحظة.

“النهارده… الناس شايفة النجاح.”

“لكن محدش شاف الإبرة اللي كانت بتجرح صوابعها كل يوم.”

دموعي نزلت لأول مرة من سنة.

كل القاعة وقفت تصفق.

وأمي نزلت من على المسرح.

حضنتها.

وقالتلي في ودني:

“أنا كنت واثقة إن اليوم ده هييجي.”

وأنا واقفة في آخر العرض…

بصيت على البنات اللي بيعرضوا التصميمات.

وافتكرت نفسي.

افتكرت الإبرة.

والخيط.

والأيام اللي كنت أنام فيها على ماكينة الخياطة.

وافتكرت كمان…

اليوم اللي حد بصلي فيه وقال:

“دي مجرد خياطة غلبانة.”

ابتسمت بيني وبين نفسي.

لأن الزمن…

رد على الجملة دي بطريقة أجمل من أي رد كنت ممكن أقوله.

وأدركت أن بعض الإهانات…

لا يُرد عليها بالكلام.

بل تُرد عليها بالنجاح.بعد سنوات…

 

لما الناس كانت تسألني:

 

“إيه أكتر درس اتعلمتيه؟”

 

كنت بابتسم وأقول:

 

“إن الإبرة الصغيرة تقدر تصلح قماشًا ممزقًا… لكن ما تقدرش تصلح قلبًا اختار الخيانة.”

 

كريم اختفى من حياتي كما يختفي فصل انتهى من كتاب.

 

وفانيسا أصبحت مجرد ذكرى بعيدة، لا تحمل في قلبي كراهية ولا شماتة… بل تذكيرًا بأن الإنسان قد يخدع الناس لفترة، لكنه لا يستطيع أن يخدع الحقيقة إلى الأبد.

 

أما أنا…

 

فكل فستان خرج من بين إيديا بعد ذلك، كنت أخيط فيه شيئًا أكثر من القماش.

 

كنت أخيط فيه كرامتي…

 

وثقتي بنفسي…

 

والمرأة التي ولدت من جديد بعد أن ظن الجميع أنها انتهت.

 

وفي يوم، وقفت أمام واجهة الأتيليه أتأمل اسمي المضيء على اللافتة، فتذكرت أمي وهي تقول:

 

“القماشة عمرها ما بتكدب… واللي يعرف يقراها، يعرف الحقيقة.”

 

ابتسمت، ورفعت رأسي إلى السماء، وهمست:

 

“كان عندِك حق يا أمي.”

 

ثم أغلقت باب الأتيليه مع نهاية يوم عمل طويل، وأنا أعلم أن أجمل ما كسبته في حياتي لم يكن المال، ولا الشهرة، ولا النجاح…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *