عشق الماضي اسما السيد ×1

وقال:
“هي مش هنا.”
أحمد اتوتر.
“أمال فين؟”
الأب رد بثقة.
“ماعرفش.”
“إزاي يعني؟”
“قالتلي يا بابا…
أنا هبدأ حياتي لوحدي.
ولما أبقى جاهزة أكلمكم.
واحترمت قرارها.”
أحمد حس لأول مرة…
إنه خسرها بجد.
مش مجرد زعل مؤقت.
…
بدأ يدور.
راح لكل صاحباتها.
محدش قاله حاجة.
راح الشركة القديمة.
قالوله استقالت من سنتين.
راح الأماكن اللي كانوا بيخرجوا فيها.
كل كرسي كان بيفكره بيها.
لكن هي…
ولا كأنها موجودة على الأرض.
…
في ليلة…
فتح الدولاب.
ولقى إسدال الصلاة بتاعها.
كان لسه معلق.
قربه من وشه.
ريحة البرفان اللي كانت بتحطه…
لسه موجودة.
قعد على الأرض…
وبكى.
لكن المرة دي…
ماكانش بيبكي على حب قديم.
كان بيبكي على الإنسان الوحيد…
اللي عرف يحبه من غير شروط…
وخسره بإيده.
ومن ساعتها…
اتغير كل شيء.
الفصل الثاني
من اليوم اللي سلمى اختفت فيه…
أحمد بقى إنسان تاني.
أول مرة يفهم معنى إن البيت يبقى مليان أثاث…
وفاضي من الروح.
كان كل يوم يرجع من الشغل…
يفتح الباب تلقائيًا ويقول:
“سلمى… أنا جيت.”
وبعدين يفتكر إنها مش موجودة.
فيسكت.
ويحط المفاتيح على الترابيزة.
ويقعد لوحده.
الأكل بقى من المطاعم.
هدومه متكومة على الكنبة.
النباتات اللي كانت بتسقيها كل يوم دبلت.
حتى القطة الصغيرة اللي كانت بتأكلها تحت العمارة…
بقت تفضل تستناه عند الباب.
ولما تلاقيه نازل لوحده…
تبص حواليها كأنها بتدور عليها.
…
أما سلمى…
فكانت بتبدأ يومها الساعة سبعة الصبح.
تنزل تركب المترو.
وتوصل الشركة قبل معادها بعشرين دقيقة.
في أول أسبوع…
كانت كل ما حد يسألها:
“حضرتك متجوزة؟”
تسكت لحظة.
وبعدين تقول:
“أيوه.”
من غير أي تفاصيل.
كانت لسه مش قادرة تقول إنها منفصلة.
ولا قادرة تعتبر نفسها زوجة طبيعية.
كانت في منطقة بين الاتنين.
لكنها كانت بتحاول.
كل يوم.
…
مديرها في الشركة…
كان اسمه أستاذ حازم.
راجل في الخمسينات.
لاحظ إنها أول واحدة توصل.
وآخر واحدة تمشي.
وفي يوم وقف جنب مكتبها وقال:
“إنتِ بتهربي من حاجة؟”
رفعت رأسها باستغراب.
ابتسم وقال:
“الناس اللي بتقعد بعد مواعيد الشغل من غير مقابل…
بيبقوا بيهربوا من حاجة.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت:
“يمكن.”
ماسألهاش أكتر من كده.
واحترم صمتها.
…
بعد ثلاثة شهور…
بقت من أحسن الموظفين.
العملاء كانوا يطلبوها بالاسم.
وزملاؤها بقوا يعتمدوا عليها.
وأول مرتب كبير أخدته…
ماجابتش هدوم.
ولا موبايل.
ولا دهب.
اشترت مكتبة صغيرة.
وكرسي مريح.
وكم كتاب كانت نفسها تقراهم من زمان.
وقفت تبص عليهم.
وقالت لنفسها:
“أنا برجع لنفسي واحدة واحدة.”
…
في الناحية التانية…
أحمد ما استسلمش.
كان كل أسبوع يروح بيت أهلها.
رغم إنهم كل مرة يقولوله نفس الجملة.
“لسه ماعرفناش عنها حاجة.”
وفي الحقيقة…
أهلها كانوا عارفين إنها بخير.
لكن كانوا منفذين وصيتها.
قالتلهم:
“لو جه…
قولوله إني بخير.
لكن ماتقولوش أنا فين.
لو حبني بجد…
هيستنى لحد ما أكون مستعدة.”
…
في يوم…
كان أحمد قاعد مع أمه.
قالتله وهي بتبص في وشه:
“إنت لسه بتحب البنت الأولى؟”
فضل ساكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال:
“زمان كنت فاكر إني بحبها.
دلوقتي…
حتى ملامحها بدأت أنساها.”
الأم سألته:
“وسلمى؟”
أول ما سمع اسمها…
ابتسم بحزن.
وقال:
“كل حاجة في البيت بتفكرني بيها.
كل حاجة كنت باعتبرها عادية…
طلعت هي اللي كانت بتديها معنى.
أنا ظلمتها.”
الأم بصتله وقالت:
“لما كانت موجودة…
كنت شايفها؟
ولا بدأت تشوفها بعد ما غابت؟”
نزل رأسه.
وماعرفش يرد.
لأن الإجابة كانت مؤلمة.
…
بعد أسبوعين…
بالصدفة…
كان أحمد رايح يخلص شغل في شركة جديدة.
دخل الاستقبال.
وكان مستني دوره.
وفجأة…
سمع ضحكة.
ضحكة حافظها.
لف بسرعة.
وشاف سلمى.
كانت لابسة بدلة بسيطة.
شايلة ملفات.
وبتتكلم مع عميل بثقة.
ملامحها كانت أهدى.
وشها بقى فيه قوة عمره ما شافها قبل كده.
وقبل ما ينادي عليها…
شافها بتبتسم لزميلة معاها.
الابتسامة دي…
خلته يحس بالوجع.
مش لأنها بتضحك.
لكن لأنه أدرك إنه كان السبب في اختفاء الضحكة دي من حياتها شهور.
استناها تخلص.
ولما خرجت من المكتب…
وقف قدامها.
سلمى اتجمدت مكانها.
بصتله ثواني.
وبعدين قالت بهدوء:
“إزيك يا أحمد.”
الكلمة كانت رسمية جدًا.
كأنها بتكلم زميل قديم.
قال بصوت مرتعش:
“كنت بدور عليكي.”
ردت بهدوء:
“وعرفت توصل.”
قال:
“ممكن نتكلم؟”
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
“خمس دقايق.
لأن عندي شغل.”
خرجوا وقفوا قدام الشركة.
أحمد فضل يبصلها.
وقال:
“وحشتيني.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
لكنها ما ردتش.
قال بسرعة:
“أنا غلطت.
وأذيتك.
وأنا عرفت قيمتك.”
رفعت عينيها ليه.
وقالت بهدوء شديد:
“عارف يا أحمد…
أصعب حاجة مش إن الراجل يحب واحدة قبلك.
أصعب حاجة…
إن مراته تكتشف إنها كانت الحضن اللي بيرجعله…
لما قلبه بيتوجع على غيرها.”
نزل رأسه.
ماعرفش يبرر.
قال:
“اديني فرصة.”
ردت وهي بتبص في ساعتها:
“أنا ادتك حياتي كلها.
دلوقتي…
الدور عليك تثبت إن كلامك مش مجرد ندم.”
وبعدين استأذنت.
ورجعت للشركة.
وسابته واقف مكانه…
لأول مرة…
هو اللي يبقى مستني.
وهي اللي تمشي من غير ما تلتفت.