في شهري الثامن حكـايـات أسمـا السـيد ×1

دخلت جنى القاعة بخطوات صغيرة، لكن كل خطوة كانت بتعمل صوت جوا قلبي أعلى من أي صوت في المكان.
كانت حاضنة الدبدوب البني في صدرها، ودفنة دقنها في راسه، كأنها مستخبية فيه من عيون الناس كلها.
أول ما شفتها…
حسيت برجلي بتضعف.
جنى ما كانتش بنتي.
كانت بنت كريم من مراته الأولى، مريم، اللي ماتت في حادث عربية قبل ما أتجوزه بسنتين.
لكن من أول يوم دخلت فيه بيت الحديدي، الطفلة دي ما تعاملتش معايا كضيفة.
كانت بتجري عليا لما تخاف.
تنام جنبي لما تحلم بكابوس.
وتناديني “ماما هالة” من غير ما حد يعلمها.
يمكن علشان كريم كان موجود بجسمه بس.
أما قلبه…
فما كانش موجود لحد.
وقفت جنى في نص القاعة.
كل الناس بصّوا لها.
القاضية حاولت تخفف من توترها، وقالت بصوت هادي:
“تعالي يا حبيبتي… ما تخافيش.”
لكن جنى ما اتحركتش.
فضلت واقفة مكانها، وعينيها بتتنقل بيني وبين كريم.
كريم حاول يبتسم لها.
نفس الابتسامة الهادية اللي كان بيستخدمها قدام الناس علشان يبان الأب المثالي.
فتح دراعه وقال:
“جنى… تعالي عند بابا.”
جنى رجعت خطوة لورا.
حركة صغيرة جدًا…
لكنها كانت كفاية تخلي القاعة كلها تسكت.
ابتسامة كريم اختفت لحظة، وبعدين رجع ركبها على وشه بالعافية.
قال:
“حبيبتي، تعالي… إنتِ عارفة إن بابا عمره ما يزعلك.”
جنى شدت الدبدوب على صدرها أكتر.
وقالت بصوت خافت:
“إنت زعلت ماما.”
كريم اتجمد.
أما ياسمين، فلفت وشها بسرعة ناحية جنى.
القاضية رفعت إيدها وقالت:
“الأستاذ كريم، من فضلك ما تتكلمش معاها دلوقتي.”
محامي كريم قام وقال باعتراض:
“يا فندم، الطفلة واضحة إنها متأثرة بكلام طرف من أطراف الدعوى.”
بصت له القاضية بحدة.
“الطفلة ما زالت ما قالتش شهادتها أصلًا.”
قال:
“لكن وجودها بالشكل ده—”
قاطعته:
“اتفضل اقعد.”
قعد، لكنه قرب من كريم وبدأ يهمس له.
أنا كنت باصة لجنى بس.
ملامحها كانت مرعوبة.
صوابعها بترتعش.
وفيه أثر أصفر خفيف ظاهر تحت كم الفستان عند معصمها.
عرفت فورًا إنه كدمة.
كدمة جديدة.
قلبي ولع.
قلت لها من مكاني:
“أنا هنا يا جنى.”
أول ما سمعت صوتي، عينيها اتمليت دموع.
قالت:
“إنتِ هتمشي وتسيبيني؟”
السؤال كسرني.
نسيت المحكمة.
ونسيت كريم.
ونسيت كل الورق اللي كنت مستعدة أتنازل عنه.
قلت بسرعة:
“مش هسيبك.”
كريم ضحك بسخرية وقال:
“طبعًا، بعد ما لعبت في دماغها.”