قصة بعد 52 سنة جواز
بعد 52 سنة جواز، جوزي ركّبني الطيارة من غير ما يقولي إحنا رايحين فين! وفي نص الرحلة، مسك إيدي جامد وهمسلي بعد النهارده، مش هتشوفي ولادك تاني أبدًا!
فضلت باصة للراجل اللي عشت معاه عمري كله، وقلبي بيترعش من الرعب، ومش قادرة أستوعب هو يقصد إيه بكلامه ده!
أنا وروبرت بقالنا 52 سنة متجوزين.
لما تعيش مع حد العمر كله، بتفتكر إنك بقيت حافظه زي اسمك. بتعرف إمتى بيكون متضايق من سكوته، وبتفهم من نظرة عينه إنه مخبي عنك حاجة، وحتى مزاجه بتقدر تعرفه من طريقة ما بيحط فنجان القهوة على الترابيزة كل يوم الصبح.
على الأقل، ده اللي كنت فاكرة إني عارفاه عنه.
لحد يوم السبت اللي فات.
اليوم ده، روبرت صحي بدري عن عادته. ولما دخلت المطبخ، لقيته لابس قميصه الأزرق المفضل، وجاهز للخروج، وماسك تذكرتين طيران في إيده.
بصلي وقال بكل هدوء
يا ماري، حضّري نفسك، إحنا مسافرين.
بصيت للتذاكر باستغراب وسألته
مسافرين فين؟!
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
هتعرفي لما نوصل.
ضحكت بتوتر وقلتله
يا روبرت، إحنا قربنا على التمانين سنة! إيه المغامرات الغامضة دي اللي إنت بتتكلم عنها؟ إحنا كبرنا على الكلام ده!
لكنه ما ضحكش معايا.
وساعتها، قلبي بدأ يقولي إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
بقالنا كام أسبوع، وأنا ملاحظة إن فيه حاجة غريبة في تصرفات ولادنا.
إحنا عندنا تلاتة ديفيد وإيميلي ومايكل. كانوا متعودين يتصلوا بينا كل يوم تقريبًا، حتى لو مكالمة سريعة يطمنوا علينا فيها.
لكن فجأة، مكالماتهم بقت قصيرة أوي، وكل ما أسألهم مالكم، فيه حاجة حصلت؟ يردوا عليّا بنفس الكلام
مفيش حاجة يا ماما، إحنا بس مشغولين شوية.
وفي كذا مرة، دخلت الأوضة بالصدفة ولقيت روبرت بيتكلم معاهم في التليفون بصوت واطي. وأول ما كان بيشوفني، كان بيقفل المكالمة بسرعة وكأن مفيش حاجة حصلت.
والأغرب من كل ده، إن حفيدتي الصغيرة قالتلي مرة كلام خلاني أقف مكاني من الصدمة.
قالتلي بعفوية
يا تيتة، بابا قال إننا لسه مينفعش نقولك على الموضوع ده.
بصيتلها باستغراب وسألتها
موضوع إيه يا حبيبتي؟
لكنها اتلخبطت وغيّرت كلامها بسرعة، وبدأت تتكلم في حاجة تانية.
من ساعتها وأنا مش مرتاحة، وحاسة إن فيه سر كبير كلهم مخبيينه عني.
ودلوقتي، جوزي بياخدني المطار وبيسفرني معاه، من غير ما يقولي حتى إحنا رايحين فين!
وإحنا في الطريق للمطار، مقدرتش أسكت أكتر من كده، فبصيتله وسألته
هو الولاد عارفين إحنا مسافرين فين؟
فضل باصص للطريق قدامه، ورد بكلمة واحدة
أيوه.
الكلمة دي نزلت على قلبي زي الحجر.
يعني هما كلهم عارفين، وأنا الوحيدة اللي مش فاهمة أي حاجة؟!
وصلنا المطار، وروبرت خلّص إجراءات السفر واستلم التذاكر، وبعدها أخدني ناحية بوابة الطيارة.
طول الوقت وأنا بسأله
يا روبرت، إحنا رايحين فين؟ طب هنقعد هناك قد إيه؟ هو فيه إيه بس؟ إنت مقلقني ليه؟
لكنه كان في كل مرة يبتسم ابتسامة خفيفة ويقولي
اصبري شوية يا ماري، وهتعرفي كل حاجة.
وأخيرًا، ركبنا الطيارة.
أول ما الطيارة بدأت تطير، بصيت من الشباك وأنا بتفرج على مدينتنا وهي بتصغر واحدة واحدة، لحد ما اختفت تحت السحاب.
عدّى أول عشرين دقيقة من الرحلة، وروبرت تقريبًا ما نطقش بكلمة واحدة.
وفجأة، مد إيده ومسك إيدي.
كانت إيده ساقعة بشكل غريب، ولما بصيتله، لقيته بيبصلي بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده.
قرب مني وهمس بصوت واطي
يا ماري، بعد النهارده، مش هتشوفي ولادك تاني أبدًا.
اتجمدت مكاني.
للحظة، افتكرت إني سمعت غلط، وإن صوت الطيارة هو اللي لخبطني.
بصيتله وقلت
إنت قلت إيه؟! ممكن تعيد كلامك تاني؟
ضغط على إيدي وقال
أرجوكي يا ماري، متسألينيش أي سؤال غير لما نوصل.
سحبت إيدي من إيده بسرعة، وقلتله وأنا مش مصدقة اللي بسمعه
إنت بتقولّي إني مش هشوف ولادي تاني أبدًا، وبعد كده بتطلب مني أسكت ومتسألش؟! إنت متوقع مني أعمل إيه يعني؟ أقعد جنبك كأنك مقولتش حاجة؟!
ست كانت قاعدة في الناحية التانية من الممر، بصتلنا باستغراب لما سمعت صوتي بيعلى.
روبرت وطّى صوته وقال
يا ماري، أرجوكي… ثقي فيّا.
لكن لأول مرة من 52 سنة جواز، حسيت إني مش قادرة أثق فيه.
راجل عشت معاه عمري كله، وشاركت معاه كل حاجة، وفجأة بقيت خايفة منه ومش عارفة هو ناوي على إيه!
دماغي بدأت تجيبلي أفكار مرعبة.
يا ترى ولادي قرروا يبعدوني عن حياتهم ومبقوش عايزين يشوفوني؟
ولا روبرت بياخدني مكان غريب غصب عني، وأنا مش عارفة إيه اللي مستنيني هناك؟
طب يمكن يكون حصلت مصيبة لواحد من ولادنا، وهو مخبي عني الحقيقة عشان خايف على أعصابي؟
ولا يا ترى أخد قرار مصيري يخص حياتنا إحنا الاتنين من غير ما يرجعلي، وقرر ينفذه مهما كان رأيي؟
لكن فيه فكرة واحدة كانت مرعباني أكتر من كل الاحتمالات دي.
من كام شهر، كنت معدية جنب الصالة بالصدفة، وسمعت روبرت بيتكلم مع ابننا ديفيد في التليفون.
وسمعته بيقوله بوضوح
أمك عمرها ما هتوافق على الموضوع ده.
وقتها ما وقفتش عند الكلام كتير، وقلت يمكن بيتكلموا عن حاجة تخص الشغل أو العيلة.
لكن دلوقتي، وأنا قاعدة جنبه في الطيارة، الجملة دي فضلت تتكرر في دماغي، وكل ما أفتكرها خوفي كان بيزيد.
بصيت لجوزي، والدموع بدأت تتجمع في عيني، وقلتله بصوت بيرتعش
روبرت، بص في عيني وقولي الحقيقة. لو إنت عملت أي حاجة تخص ولادنا من ورايا، لازم أعرف. أنا مش هقدر أستحمل إنك تفضل مخبي عني حاجة زي دي!
روبرت فضل ساكت شوية، وبعدها لف وشه ناحية الشباك.
ولأول مرة في حياتي، شفت دمعة بتنزل من عينه.
مسحها بسرعة، وبعدين بصلي وقال بصوت مبحوح
يا ماري… المشكلة مش إني عملت حاجة في ولادنا.
سكت لحظة، وبعدين كمل
المشكلة إن ولادنا كلهم وافقوا على حاجة تخصك إنتِ، وأنا الوحيد اللي فضلت رافضها لحد آخر لحظة!
ولما سألته وأنا قلبي بيخبط من الخوف وافقوا على إيه يا روبرت؟!… بصلي وقال جملة واحدة خلت الدم يهرب من عروقي!ووو
حكايات_زيزي
ولادك وافقوا إنك تدخلي دار رعاية، يا ماري… وعايزين يبيعوا بيتك، ويقسموا فلوسه بينهم، وإنتِ لسه عايشة!
حسيت إن الطيارة كلها بتلف بيا.
فضلت باصة لروبرت، مش قادرة أصدّق اللي سمعته. ولادي؟! ولادي اللي شلتهم على إيدي، واللي سهرت الليالي عشانهم، واللي كنت مستعدة أبيع عمري كله علشان سعادتهم؟ دول نفسهم اللي وافقوا إنهم يحطوني في دار رعاية ويبيعوا بيتي من ورايا؟!
همست بصوت مخنوق
إنت بتكدب عليّا يا روبرت… صح؟ قولي إنك بتكدب!
هز راسه ببطء، والدموع مالية عينيه.
يا ريتني كنت بكدب يا ماري… يا ريت!
حطيت إيدي على صدري، وحسيت إن نفسي مش قادر يدخل رئتي.
بس أنا مش تعبانة! أنا لسه بعرف أطبخ، وأنضف بيتي، وأخرج لوحدي، وأهتم بنفسي! هما شافوا إيه فيّا عشان يعملوا فيّا كده؟!
روبرت مسك إيدي تاني، المرة دي برفق، وقال
المشكلة مش في صحتك يا ماري. المشكلة في البيت.
بصيتله باستغراب.
بيتي؟! هو بيتي عمل إيه؟!
اتنهد، وطلع من جيب جاكته ظرف بني قديم، حوافه متنية كأنه اتفتح واتقفل عشرات المرات.
حطه على الترابيزة الصغيرة اللي قدامنا، وقال
قبل ما أحكيلك كل حاجة، لازم تعرفي إن اللي حصل بدأ من حوالي ست شهور، يوم ما ديفيد جه زارنا، وطلب مني أقعد معاه لوحدنا.
افتكرت اليوم ده كويس.
ديفيد كان جاي لوحده، وقعد مع أبوه في المكتب أكتر من ساعة. ولما خرج، كان وشه متغير، لكنه أول ما شافني ابتسم وباسني على راسي، وقال إنه مستعجل ولازم يمشي.
ساعتها افتكرت إنه كان عنده مشكلة في شغله.
لكن روبرت كمل
ابننا كان عليه ديون كبيرة، أكبر بكتير من اللي كنت متخيله. وكان محتاج مبلغ ضخم في وقت قصير. جه طلب مني أساعده، وأنا وافقت أساعده في حدود قدرتي. لكن بعد كده، بدأ يتكلم عن بيتنا.
قلبي انقبض.
بيتُنا ده مش مجرد حيطان وسقف.
ده البيت اللي ربينا فيه ولادنا التلاتة، والبيت اللي رجعنا له بعد كل ولادة، والبيت اللي لسه محتفظ بعلامات طولهم بالقلم الرصاص على باب المطبخ.
حتى أوضة النوم، لسه فيها الصورة اللي اتصورناها يوم فرحنا من 52 سنة.
سألته وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي
ديفيد عايز إيه من بيتنا؟
بصلي روبرت وقال
كان عايزني أبيع البيت، وأديله نصيبه مقدمًا من الميراث.
ضحكت ضحكة قصيرة، كلها وجع.
نصيبه من الميراث؟! وإحنا لسه عايشين يا روبرت! وبعدين ده بيتنا إحنا الاتنين، مش ملكه!
أنا قلتله نفس الكلام. لكنه مكنش مستعد يسمع. وبعدها بأسبوعين، إيميلي اتصلت بيا، وقالتلي إن هي كمان شايفة إن بيع البيت هو الحل الوحيد.
حسيت ببرودة بتسري في جسمي.
وإيميلي كمان؟!
هز راسه.
وبعدها مايكل دخل في الموضوع. التلاتة اتفقوا إننا كبرنا، وإن الأفضل نبيع البيت، ونروح مكان أصغر، أو نقيم في دار رعاية، والفلوس تتقسم بينهم عشان كل واحد يحل مشاكله.
حطيت إيدي على بُقي، ودموعي نزلت من غير ما أحس.
مش لأنهم عايزين فلوس وبس…
لكن لأنهم اتكلموا عن حياتي كأني مش موجودة. كأن السنين اللي عشتها معاهم، والتعب اللي تعبته، والحب اللي اديتهولهم، كل ده ملوش قيمة قدام شوية فلوس!
مسحت دموعي وقلت
وإنت وافقت؟
روبرت رفع عينه ليا بسرعة.
لأ يا ماري. عمري ما هوافق على حاجة زي دي من غير رضاكي. وعشان كده، لما رفضت، ولادنا زعلوا مني، وبدأوا يحاولوا يقنعوني بكل الطرق.
طب وإيه علاقة السفر؟! وإنت ليه قلتلي إني مش هشوفهم تاني؟!
هنا روبرت سكت.
وبص للظرف البني اللي بينا، كأنه خايف من اللي جواه أكتر من أي حاجة تانية.
وبعدين قال
لأن اللي حصل بعد رفضي كان أسوأ بكتير يا ماري. من حوالي شهر، وصلني جواب من محامي، وفيه ورقة موقّعة باسمك!
اتسعت عينيّ.
باسمي أنا؟! أنا موقّعتش أي ورق!
فتح الظرف، وطلع منه مجموعة أوراق، لكن قبل ما يمدهالي، شد إيده بعيد وقال
أنا عارف إنك ممضتيش الورقة دي. وده بالضبط اللي خلاني أشك إن فيه حاجة أكبر بتحصل من ورايا ومن وراكي.
بصيتله برعب.
ورقة إيه يا روبرت؟!
قرب مني، وخفض صوته لدرجة إني بالكاد سمعته وسط صوت الطيارة
ورقة بتقول إنك موافقة تتنازلي عن حقك في البيت، وإنك موافقة على انتقالك لمكان إقامة تاني، وإنك مش هتعترضي على بيع العقار!
حسيت إن الأرض بتنسحب من تحتي.
لكن قبل ما أقدر أرد، روبرت فتح الورقة على الترابيزة، وأشار بإصبعه على آخر صفحة.
وهناك، تحت الكلام المطبوع، كانت فيه إمضاة تشبه إمضتي بشكل مخيف.
نفس بداية اسمي، ونفس اللفة الصغيرة اللي كنت بعملها في آخر حرف.
بس أنا ما كتبتهاش!
رفعت عيني لروبرت وقلت
مين اللي عمل كده؟!
رد عليّا
لسه مش عارف على وجه اليقين… لكن عندي سبب قوي يخليني أشك إن حد من ولادنا استخدم ورق قديم كنتِ موقّعاه من سنين عشان يقلّد إمضتك.
مديت إيدي آخد الورقة، لكن روبرت حط إيده عليها فجأة وقال
استني يا ماري، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها قبل ما تشوفي باقي الأوراق.
بصيتله، وقلبي بيدق بعنف.
قال
أنا مش واخدك لدار رعاية. أنا واخدك لمكان هتفهمي فيه ليه كان لازم أسفرك من غير ما أقولك إحنا رايحين فين.
اتجمدت مكاني.
مكان إيه؟!
وقبل ما يرد، أعلن قائد الطيارة إننا هنبدأ الهبوط خلال دقائق.
روبرت لمّ الأوراق بسرعة، وحطها في الظرف، وبعدين بصلي بنظرة مليانة خوف وحزن.
إحنا رايحين المدينة اللي اتولدت فيها أمك يا ماري.
شهقت من الصدمة.
أمي ماتت من أكتر من أربعين سنة، والبيت القديم بتاع عيلتها اتباع من زمان، ومكنش ليا أي حد هناك غير ذكريات طفولتي.
سألته
إنت رايح بيا هناك ليه؟! إيه اللي ممكن يكون موجود في المدينة دي وليه علاقة بولادنا وبيتنا؟!
روبرت بلع ريقه، وقال
لأن قبل ما أمك تموت، سابتلك حاجة. حاجة أنا اكتشفت وجودها من أسابيع قليلة، وحاجة لو ولادنا عرفوا حقيقتها، ممكن يغيّروا كل اللي خططوا له.
في اللحظة دي، حسيت إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد بيت وفلوس.
ولأول مرة، خطر في بالي سؤال عمري ما فكرت فيه قبل كده
هو أنا فعلًا كنت أعرف كل حاجة عن أمي؟ ولا فيه سر قديم اتدفن معاها، والوقت جه عشان يظهر؟
ولما الطيارة هبطت، روبرت طلب مني أستنى مكاني، ونزل الشنط من الرف.
لكن قبل ما نتحرك ناحية الخروج، موبايله رن.
بص للشاشة، ولقيت وشه اتغير في ثانية.
كان ديفيد بيتصل.
روبرت رفض المكالمة، لكن الموبايل رن تاني، وبعدها وصلت رسالة.
شافها، وشحب وشه لدرجة إني خفت عليه.
خطفته من إيده وسألته
إيه اللي حصل؟!
حاول ياخد الموبايل مني، لكني كنت شفت أول سطر من الرسالة.
كان مكتوب
بابا، إحنا عرفنا إنت أخدت ماما فين. أرجوك، متخليهاش تشوف الورق اللي هناك، لأن لو عرفت الحقيقة كاملة، مش هتسامحنا أبدًا!
رفعت عيني لروبرت ببطء.
هو بصلي، وسكت.
وفي اللحظة دي، عرفت إن ولادي مش بس كانوا بيخططوا لبيع البيت…
كان فيه سر تاني، سر مخبيينه عني من سنين، ويمكن يكون هو السبب الحقيقي اللي خلاهم مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يمنعوني من الوصول للحقيقة!
بصيت لروبرت وأنا ماسكة الموبايل في إيدي، وحسيت إن رجلي مش شايلاني.
مش هيسامحوني على إيه يا روبرت؟! إيه الحقيقة اللي ولادي خايفين إني أعرفها؟! اتكلم! أنا مش هفضل طول عمري آخر واحدة تعرف كل حاجة بتحصل في عيلتها!
روبرت مد إيده ياخد الموبايل، لكني رجعته لورا.
لأ! المرة دي مش هتخبي عني حاجة تاني. أنا عايزة أعرف كل حاجة، حتى لو الحقيقة دي هتوجعني!
بصلي طويلًا، وبعدها هز راسه وقال
عندك حق يا ماري. إنتِ استحملتي كفاية.
خرجنا من المطار، وكان فيه راجل كبير واقف مستنينا، ماسك ورقة مكتوب عليها اسم روبرت.
أول ما شافنا، قرب منه وسلم عليه بحرارة، وبعدين بصلي بابتسامة محترمة.
حضرتك ماري؟
هزيت راسي باستغراب.
أيوه، أنا ماري. حضرتك مين؟
ابتسم وقال
اسمي جورج. أنا محامي، وكنت صديق والدتك من زمان.
حسيت إن قلبي وقف للحظة.
صديق أمي؟! إنت تعرف أمي منين؟!
جورج بص لروبرت، وبعدها رجع بصلي وقال
فيه حكايات كتير يا مدام ماري، وأعتقد إن الوقت جه عشان تعرفيها بنفسك.
ركبنا عربية جورج، وطول الطريق وأنا ببص من الشباك على شوارع المدينة اللي مكنتش زرتها من أكتر من خمسين سنة.
كنت فاكرة إن كل حاجة تخص طفولتي اختفت مع الزمن، لكن الغريب إني بدأت أفتكر تفاصيل صغيرة كل ما العربية كانت تقرب من وسط المدينة.
المخبز القديم اللي كانت أمي بتشتري منه العيش.
الشارع اللي كنت بجري فيه وأنا طفلة.
وحتى الشجرة الكبيرة اللي كنت بقعد تحتها مستنية أمي لما كانت بتروح السوق.
وفجأة، العربية وقفت قدام مبنى قديم، واجهته متجددة، لكن بابه الخشبي كان هو نفسه الباب اللي كنت فاكرة إني مش هاشوفه تاني أبدًا.
بصيت للمكان وقلبي بيدق بسرعة.
إحنا جايين هنا ليه؟
جورج نزل من العربية وفتحلي الباب.
لأن ده المكان اللي والدتك سابت فيه الأمانة بتاعتك.
دخلنا المبنى، وطلعنا السلم لحد الدور التاني. هناك كان فيه مكتب صغير، وعلى الحيطة صورة قديمة لست جميلة بتضحك.
أول ما شفت الصورة، شهقت.
دي كانت أمي!
نفس العينين، ونفس الابتسامة اللي كنت بفتكرها كل ما أحس إني محتاجة حضنها.
قربت من الصورة ولمست إطارها بأطراف صوابعي، والدموع نزلت على خدي.
أنا مش مصدقة… إزاي الصورة دي هنا؟
جورج قال بهدوء
والدتك كانت عارفة إن اليوم ده ممكن ييجي، حتى لو بعد سنين طويلة.
لفيت ناحيته بسرعة.
كانت عارفة إيه؟!
فتح درج مكتبه، وطلع صندوق خشبي صغير، قديم، وعليه اسمي مكتوب بخط إيد أمي.
إلى ابنتي ماري… لا يُفتح هذا الصندوق إلا عندما تصبح الحقيقة ضرورية لحمايتها.
إيدي بدأت تترعش.
روبرت قرب مني، لكنه المرة دي ممدش إيده للصندوق، ولا حاول يمنعني.
قال بس
افتحيه يا ماري. ده حقك.
رفعت الغطا ببطء.
جواه كان فيه جواب متني، وصورة قديمة لوالدتي وهي واقفة جنب راجل معرفوش، ومفتاح صغير مربوط بشريط أزرق.
مسكت الجواب وفتحته.
كان مكتوب فيه
ابنتي الحبيبة ماري،
لو وصلتي لليوم اللي تقري فيه كلامي ده، فده معناه إن فيه حد حاول ياخد منك حاجة إنتِ من حقك تعرفي حقيقتها.
أنا مش بطلب منك تشكي في حد، ولا أطلب منك تعاقبي حد. كل اللي بطلبه إنك متاخديش أي قرار قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
في حياتي، كان فيه سر فضلت محتفظة بيه سنين طويلة، مش خوفًا على نفسي، لكن خوفًا على مستقبل عيلتنا.
والحقيقة دي متعلقة بالبيت اللي عشتِ فيه مع جوزك وربّيتي فيه ولادك.
البيت ده مش مجرد بيت، يا ماري، وفيه حاجة كان لازم تعرفي عنها قبل ما ييجي اليوم اللي حد يحاول ياخدها منك.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني لجورج، وقلت بصوت مخنوق
أمي تقصد إيه؟! إيه الحاجة اللي في بيتي وأنا معرفش عنها حاجة؟!
جورج فتح ملفًا كان محضّره على مكتبه، وطلع منه صورة لمستند قديم.
والدتك كانت مالكة جزء من الأرض اللي اتبنى عليها بيتك الحالي. قبل وفاتها بسنين، حصل اتفاق قانوني بخصوص ملكية الأرض، لكن فيه مستند أساسي اختفى من الملفات الرسمية.
بصيت لروبرت بصدمة.
إنت كنت تعرف الكلام ده؟!
هز راسه.
كنت أعرف إن