قصة لم أخبر عائلتي
وفي اللحظة التي وطأت فيها أقدامنا الداخل كأن الزمن نفسه توقف.
توقف الحديث فجأة.
توقفت الموسيقى في منتصف نغمتها.
تجمدت الوجوه.
وتحولت الابتسامات إلى دهشة مرتبكة.
لم يحتج المدير التنفيذي أكثر من ثانية واحدة ليتعرف عليه. نهض من مقعده ببطء وعيناه متسعتان كأن حضور كاليب أعاد رسم المشهد كله.
ساد صمت ثقيل صمت يمكن سماعه.
بدأت الأسئلة تتساقط.
انكشفت التقارير واحدة تلو الأخرى.
ظهر ما كان مخفيا بعناية.
كشف الاختلاس.
انهار جوليان أمام الجميع.
تبددت الوعود.
ألغي الاندماج.
وانطفأت الأنوار في الزفاف حرفيا ومعنويا كأن المكان نفسه أعلن النهاية.
ثم غادرنا.
لم نلتفت.
لم نبرر.
لم نودع.
تركنا خلفنا قاعة امتلأت بالضجيج الزائف وخرجنا إلى هواء أنقى رغم كل ما فيه من ألم.
بعد يومين جاءت أمي إلى منزلنا.
لم تأت اعتذارا ولا محملة بندم ولا حتى محاولة للفهم.
جاءت تطالب بالمال وتهدد بالتشهير وكأن شيئا لم يتغير وكأن ما فعلته لم يسجل في الذاكرة.
نظرت إليها طويلا. بحثت في داخلي عن غضب فلم أجده. بحثت عن حزن فلم أجده. بحثت حتى عن خيبة أمل فلم أجد سوى فراغ هادئ يشبه النهاية الواضحة لشيء مات منذ زمن.
قلت لها بهدوء لم أعرفه من قبل
افعلي ما تشائين.
ثم أخبرتها دون انفعال أن الحقيقة موثقة وأن كل ما حاولت إخفاءه قد ظهر وأن زمن إسكاتي وتجاهلي ووضعي في الخلف قد انتهى ولن يعود مهما حاولوا.
غادرت.
ومنذ ذلك اليوم لم أسمع منهم شيئا.
لا اتصال.
لا رسالة.
لا محاولة عودة.
أما نحن فقد عدنا إلى حياتنا الحقيقية.
إلى المختبر حيث العمل الصامت الذي لا يعرف الزيف.
إلى التربة حيث كل شيء يبدأ من الصفر.
إلى العمل الشاق الصادق الذي لا يحتاج تصفيقا ولا جمهورا ولا أضواء.
لأنك لا تستطيع أن تنبت شيئا جميلا فوق أرض قائمة على الكذب.
لا بد أن تقلب التربة أولا.
أن تزيل العفن المتراكم في الأعماق.
وأحيانا لا مفر من أن تترك الحقل يحترق حتى يفسح المجال لولادة جديدة أنقى وأصدق.
وإن وصلت إلى نهاية هذه القصة فتذكر
قيمتك لا يحددها الكرسي الذي يجلسونك عليه
ولا الثوب الذي ترتديه
ولا السيارة التي تقودها.
قيمتك الحقيقية تتجلى في من تكون حين لا ينظر أحد.